أين هي القرية في عصرنا الحديث؟
لا بد أنكم سمعتم عبارة “every mom needs a village” أو “every child needs a village”، أي أن كل أم تحتاج إلى “قرية” تساعدها في تربية أطفالها. لكن عن أي قرية نتحدث اليوم؟
في عالمنا الحديث، تُصوَّر الأم كسوبر موم: مثقلة بقوائم مهام لا تنتهي، تُقارن نفسها يومياً بأمهات من مختلف أنحاء العالم عبر الشاشات، ويُتوقع منها أن تكون مثالية في عملها وأسرتها في آن واحد، تحت شعار”yes you can“. عالم يبيع فكرة الـ village، لكنه يرسم صورة أم قادرة على فعل كل شيء وحدها.
إذا عدنا إلى أصل مفهوم القرية، نجد أنه وُلد قبل الحداثة. حين كانت العائلات الممتدة تعيش معاً في نفس البيت أو في الجوار القريب، لم تكن الأم تتحمل مسؤولية كل شيء وحدها. كانت القرية عبارة عن شبكة حقيقية من الدعم العملي والعاطفي. الأم التي تلد كانت تُحاط بأهلها وجيرانها، يتناوبون على دعمها: من يطبخ، من ينظف، من يرعى الطفل. الأم لم تكن مضطرة للعودة إلى العمل أو إلى مهام أخرى بسرعة، إذ كانت محاطة بمن يخفف عنها العبء اليومي ويمنحها وقتًا للتعافي والراحة بعد الولادة. لم يكن أحد يتوقع منها أن تعود إلى العمل بعد ثلاثة أشهر فقط. (ومن أصلاً قرر أن ثلاثة أشهر تكفي؟). لم يكن هناك ضغط لأداء كل شيء بمفردها، ولم يكن يُقاس نجاحها بالقدرة على ”الاعتماد على الذات“ وحدها.
أذكر جيداً ألبوم العائلة، كان يتضمن صور لجدّتيَّ، أم أمي وأم أبي، وهما تحمماننا كأطفال. صور أخرى لعمّاتي وخالاتي وهنّ يحضرن الطعام. وصور تجمعني بأمي وهي تطعمني وتعتني بي. كان أبي يمر في منتصف النهار من عمله ليطمئن علينا. أنا في طفولتي تربّيت مع ”القرية“، أمي لم تكن وحدها. ما زلت أذكر أن جدتي حاكت لنا ثيابًا من الصوف: كلسات وقبعة، ما زلت أحتفظ بها حتى اليوم. فما الذي حصل؟ لماذا لم نعد نرى مثل هذه العادات؟ مع الحداثة، تغيّرت جميع المفاهيم. جاءت تغييرات سُمِّيت “تحسين مستوى الحياة”، لكنها غالباً تغييرات مستوردة لم تشبهنا يومًا.
واليوم، الحاجة إلى قرية أكبر من أي وقت مضى. كل أم تحتاج إلى دعم ومساندة ناسها وأحبائها، سواء عملت خارج المنزل أو بقيت فيه. فالبقاء مع الأطفال في البيت عمل متكامل لا يقلّ قيمة عن أي وظيفة أخرى. دراسة من Salary.com (2023) قدّرت أن قيمة العمل غير المدفوع الذي تقوم به الأم في البيت – من طهو وتنظيف وتنظيم وجدولة ورعاية – يعادل حوالي 184 ألف دولار سنويًا لو حُسب كراتب. أي أن عمل الأم في البيت ليس “راحة” أو “فراغًا”، بل وظيفة كاملة بحد ذاتها، حتى لو لم يُقاس براتب شهري. البقاء في البيت مع الأطفال ليس بالضرورة عقابًا، بل قد يكون خيارًا وامتيازًا.
لكن الدعم الذي تحتاجه الأم لا يقتصر على الأطفال فقط. أحياناً الحاجة الأكبر تكون في الأمور الصغيرة: طبخة جاهزة، مساعدة في التوضيب، أو حتى مجرد سؤال صادق: “كيفك؟”. أحياناً ما تحتاجه الأم هو لحظة تستعيد فيها إنسانيتها بعيداً عن كونها آلة. الدراسات تؤكد ذلك: الأمهات اللواتي يملكن شبكات دعم اجتماعي قوية يكنّ أكثر توازناً في تفاعلهن مع أولادهن، وأطفالهن يظهرون سلوكيات أكثر استقرارًا. كما أن الدعم العاطفي والعملي يقلّل بشكل واضح من أعراض اكتئاب ما بعد الولادة (Journal of Affective Disorders, 2018). حتى منظمة الصحة العالمية شددت على أن الدعم الأسري والمجتمعي عنصر أساسي لصحة الأم النفسية والجسدية بعد الولادة.
بفترة اكتئاب ما بعد الولادة التي مررت بها، أذكر جيدًا أن كل ما كنت أحتاجه هو شخص أستطيع أن أحدثه عمّا يدور داخلي من أفكار موجعة للروح. كنت بحاجة إلى من يحتضنني يوميًا، يطمئنني بأن ما أشعر به طبيعي، وأنه سيمر. لكن كان من الصعب أن أجد “قريتي” في ظل الحرب، مما زاد الوضع سوءًا. عائلتي، أمي وأبي، اضطُروا للهروب إلى منطقة آمنة وتركوا بيت العائلة لمصيره. كنت بأمسّ الحاجة إليهم بعد الولادة، لكنني لم أستطع رؤيتهم كما أردت. كان يكفيني لو استطعت العودة إلى بيت العائلة والجلوس في غرفتي التي اعتبرتها دومًا ملاذي الآمن، لعلّ ذلك كان سيمنحني بعض الراحة. لكن الفرصة لم تُتح لي، إذ خسرنا البيت في إحدى الضربات التي طالت المنطقة.
أما أختي، صديقتي الأقرب، فكانت في فرنسا. كان من المقرر أن تأتي لشهري الأول، لكنها لم تستطع، بعد أن ألغت شركات الطيران جميع الرحلات من وإلى بيروت أثناء الحرب. كنت أعلم أنها الوحيدة التي أستطيع البوح لها براحة، لأنها مرّت بتجربة أمومة قاسية أيضًا، لكن المسافة حالت بيننا. افتقدت صديقاتي المقرّبات أيضًا، واضطررت أن أكتفي بهن عبر الشاشات، إلى أن جمعنا اللقاء بعد حين. لكن لحسن حظي، كنت محاطة بصديقات أمهات أرسلهم الله لي ليطمئنوني بين الحين والآخر. يعرفن أنفسهن جيدًا. ورغم البعد، كنّ النفس الذي أحتاجه في الكثير من الأوقات.
وهنا، السؤال لم يعد: “أين القرية؟” بل: “كيف نعيد بناء القرية في عصرنا الحديث؟”
القرية اليوم لم تعد مكانًا جغرافيًا، بل شبكة من العلاقات. قد تكون مجموعة أمهات على واتساب يتبادلن الخبرات، أو جارة تسأل: “بدك شي من السوبرماركت؟”. قد تكون صديقة تستضيف الأطفال ساعة، أو شريك حياة يشارك في مسؤوليات البيت بدل أن يتركها على عاتق الأم وحدها، أو حتى playdate يجمع الأطفال والأمهات.
أنا من الأمهات اللواتي احتجن إلى القرية ولم يجدنها، فاضطررت أن أبحث عنها وأخلقها بشكل أو بآخر. انضممتُ إلى مجموعة على واتساب تضم أمهات لبنانيات من مختلف المناطق، نتشارك الهموم والأفكار والتساؤلات حول شتى الأمور. كسرتُ الجليد وتواصلت مع أمهات أعرفهن عبر الانستغرام، لنلتقي ونعرف أطفالنا على بعضهم البعض. بحثتُ عن نشاطات تجمع الأمهات والأطفال، علّني أبني صداقات جديدة هناك. كتبتُ عن أمومتي، أفرغتُ ما في داخلي، وكتبت أيضًا عن أمومة الكثيرات. ولا زلت أسعى. أسعى إلى قرية تفهمني، خالية من النصائح الجاهزة ومن الحب الزائف والحسد. قرية أكون فيها مُطمئنة ومسموعة، وأكون فيها سندًا كما تكون لي سندًا. قرية تُدرك أن الأم ليست بحاجة إلى أحكام، بل إلى من يستمع لها، يتفهم تقلباتها، ويطمئن خوفها.
بالنهاية، لا يمكن للقرية الحديثة أن تشبه قرية الأمس، لكنها تظل حاجة أساسية. لأنها ببساطة تذكّر الأم أنها ليست وحدها. والقرية لا تُبنى بالصدفة، بل بالوعي والنية: حين نقرر أن نسأل عن بعض، أن نقدّم وقتنا قبل نصائحنا، وأن نرى في الأم إنسانة تحتاج للاحتضان بقدر ما يحتاج طفلها.





