مشروع أم-الجزء الحادي عشر: رضاعة غير طبيعية
من المذهل كيف تبدأ أفكارنا المسبقة عن الأمومة تنهار واحدة تلو الأخرى حتى قبل الولادة. فبعد أن ولدت بعملية قيصرية لم أحسب حسابها، وجدت نفسي أتخلى عن عزمي السابق بإرضاع ابني رضاعة طبيعية كاملة، وأهرع به إلى الممرضات ليعطوه حليبًا صناعيًا يسكت جوعه ويتيح لي فرصة النوم لساعات قليلة بعد الليلة العصيبة التي وصفتها لكم في الجزء السابق.
ها أنا إذًا أخون التعاليم المقدّسة لخبيرات الأمومة على الإنستغرام من جديد! فبعد أن خنت ميثاق الأمومة بأن طلبت تحريض المخاض بنفسي، ارتكبت الخطيئة الكبرى بأن أعطيت ابني حليبًا صناعيًا. وأزعم أنني لو قلت لإحداهنّ إنّ الحليب لديّ لم ينزل إلّا بعد أسبوع وبشكل ضعيف أيضًا فستضع اللوم عليّ لأنني أعطيت ابني حليبًا صناعيًا تسبّب في ذلك. لكنني واصلت محاولة الرضاعة طوال تلك الأيام، في المستشفى وفي البيت، مستعينة بوسائل مختلفة وأصناف الطعام والشراب التي يُفترض أن تزيد إدرار الحليب، بمساعدة أمي التي جاءت من آخر الدنيا -أو من أوّلها- لتقضي فترة ما بعد الحمل معنا. لكنّ النتيجة كانت تشققات مؤلمة وطفلًا جائعًا يرضع الدم بدل الحليب. بعد أسبوع تقريبًا، وفي لحظة وصل فيها ألم الرضاعة والتشققات إلى مستوى لم أعد أستطيع احتماله، أزحتُ عزيز عني وأعلنتُ أنني لم أعد أريد أن أحاول.
لم يناقشني زوجي في قراري، لكنني جئت إليه في المساء بعد أن نام عزيز وهدأتُ وهدأ البيت وفتحت الموضوع مجددًا، شارحة له الأسباب التي جعلتني أتخلى عن الرضاعة الطبيعية. في الحقيقة، كنت أحاول تبرير القرار لنفسي، وليس له، لكنني قبل أن أنتهي من تعداد الأسباب وجدت نفسي أنهار بالبكاء، لأكتشف أنني لست سعيدة بالرضاعة ولا بالتوقف عنها.
في اليوم التالي، ذهب إبراهيم إلى الصيدلية وجلب كلّ ما وجده هناك ممّا يساعد في تسريع التئام التشققات وتسهيل الرضاعة الطبيعية. نسيت أن أذكر أنني سألت الممرضات في المستشفى عمّا إذا كانت هناك مراهم يمكنني استخدامها أو أدوية يمكن أن تساعد على إدرار الحليب، وأنا أعرف أنها موجودة، لكنهنّ كنّ يقابلن ذلك بنفي قاطع حتى ظننتُ أنّ كل هذه الأشياء ممنوعة ومضرة. قد تكون سياسة المستشفى أو معتقداتهنّ الخاصة، لكنني اكتشفتُ أنّ هناك مراهم آمنة ساعدتني كثيرًا واستطعت العودة إلى الرضاعة الطبيعية جزئيًا، ثمّ تحسّن الإدرار أكثر حين بدأت آخذ دواءً مدرًا للحليب، والذي اتضح أنه الحل الوحيد في حالتي، لكنني لم أفلح في إرضاع ابني رضاعة كاملة بجميع الأحوال، وإن استطعت.
أؤمن أنه لا يمكن لكل الأبحاث العلمية في العالم أن تتوصّل إلى بديل يضاهي حليب الأم، وأعرف وأقرّ بأنّ الرضاعة الطبيعية حق للطفل، وأنّ على الأمّ أن تفعل ما بوسعها لمنحه ذلك الحق، ولو ليس بشكل كامل، فما لا يُدرك كله لا يُترك جُلّه. وقد كنت أحمل رأيًا متشددًا في ذلك قبل الزواج والإنجاب، لكنني حين جرّبت الرضاعة الطبيعية بنفسي فهمت أنّ الأمر أصعب بكثير ممّا يتخيّله أشخاص لم يخوضوا هذه التجربة ومع ذلك يجرؤون على توجيه الإدانة والاتهامات للأمّهات.
يمكنني القول إنّ الرضاعة كانت أصعب ما واجهته كأمّ لطفل حديث الولادة. عذاب نفسي وجسدي جعلني أفهم لِمَ ترفضها بعض النساء أو يتوقفن عنها مبكرًا. أنا شخصيًا فطمت ابني عند الستة أشهر، والسبب الذي جعلني أستمر حتى ذلك الوقت هو معرفتي بفائدة الرضاعة لابني أولًا ولي أنا ثانيًا، أمّا ما تقوله بعض النساء عن شعور الرضاعة الرائع ورابط الحب العجيب الذي تحدثه بين الأمّ والطفل فلم أشعر بشيء منه. والسبب الذي منعني من إرضاعه رضاعة كاملة بعد أخذ الدواء هو أنني لم أعد أريد الاستمرار بأخذ دواء يتلاعب بهرموناتي ويعرضني لآثار جانبية محتملة، ولأنني أيضًا كنت بحاجة ماسة إلى أن أنام كي أكون قادرة على أن أوفّر لابني الرعاية التي يحتاج إليها خلال النهار، وهو الأمر الذي ما كان ممكنًا بالرضاعة الطبيعية الكاملة.
أحترم وأقدّر النساء اللاتي يحرمن أنفسهنّ من النوم كي يرضعوا أطفالهنّ رضاعة طبيعية كاملة، لكنني لا أملك الطاقة لذلك، ورحم الله امرئًا عرف قدر نفسه وحدود قدراته. سيقولون لك “نامي حين ينام الطفل”، لكن لن يسألوك من سيغسل غسيل الطفل، ومن سيطبخ أكل أهل الطفل، خاصة إن كان والد الطفل يعمل طول النهار لتوفير مصاريف الطفل فيكون عليك أنت القيام بهذه المهام معظم الأيام، هذا إن لم تكوني أنت أيضًا تعملين وتجرين على رزقكم! نامي حين ينام الطفل نصيحة تصلح لامرأة لديها طبّاخ ومدبّرة منزل وحساب في سويسرا، وليس كنصيحة عامة لأيّ أمّ مطحونة في مطحنة الحياة.
ما لا أفهمه ولا يمكنني تصوّره هو الرجال الذين يجبرون زوجاتهم على إرضاع أطفالهم رضاعة طبيعية كاملة. كيف يمكن لشيء كهذا أن يحدث بالإجبار؟ حتى القرآن يقول: “وإن تعاسرتم فسترضع له أخرى”. الدين نفسه لا يعطي الرجل الحق في إكراه المرأة على إرضاع طفلها ويوجّهه إلى إيجاد حل آخر، ومع ذلك تجد رجالًا يعتبرون ذلك قرارهم الخاص! ربّما لو كانت الرضاعة مهمة الرجال لوجدوا ألف بديل ولوجدت أرقى المؤسسات الطبية تتغزل بفضائل الحليب الصناعي. لو كان الأمر كذلك لاختلف النظام الاجتماعي كلّه طبعًا، لكن اعتبروه تبسيطًا مخلًا لإيصال فكرة فحسب.
بعد هذه التجربة، ومن قبلها تجربة الولادة التي أدركت بعدها أنني لو رفضت الطلق الصناعي وانتظرت المخاض الطبيعي لربما كنت سأعرّض حياة ابني للخطر، فتحتُ حسابي على الإنستغرام وبدأت ألغي متابعة أي مؤثرة تعرّف بنفسها على أنها خبيرة ولادة أو رضاعة طبيعية. اعترفت بأنني أمّ غير مثالية، وأنني ما كنت لألد بشكل طبيعي، ولا لأرضع طفلي رضاعة طبيعية بالكامل، ولن أكون من الأمهات اللاتي يصنعن لوشن الجسم للطفل في البيت من زبدة الشيا وطحين اللوز العضوي. لست أمًّا “أورغانيك” ولا أريد أن أكون!




أقدّر كل ما عِشته وما وصفتِه. أما بالنسبة للطلق الصناعي فقد عشتُه وكنت سأتراجع عنه في آخر لحظة.
لكن بلطف من الله صبرت أكثر حتى جاء صغيري خاصة أنني أتممت تسعة أشهر كاملة وكان لابد من الطلق الصناعي.
أما بشأن الرضاعة الطبيعية فطفلي لم يستطع الرضاعة لكونه طفلا مشقوق الشفة وقد منعني الطبيب في المستشفى من إرضاعه.
لكن جاهدتُ لثلاثة أشهر حتى نجحت، وتخليتُ عن الرضاعة الصناعية كليًا، لم تكن تجربةً سهلة أبدًا، بل كانت مليئة بالسهر والبكاء...
أحييك على مشاركة تجربتك معنا💜