فوضى النظام ونظام الفوضى
ملفات مُصنَّفة، رفوف متناسقة، ألوان متطابقة، مكاتب خالية إلا من اللابتوب وكوب قهوة موضوع بعناية. نحن نعيش في عالم يُمجِّد "التنظيم" كقيمة مطلقة. هذا الشكل البصري للنظام تحول إلى معيار نفسي وأخلاقي، فأصبح علامة على النجاح، بينما أضحت "الفوضى" نقيضًا لكل ما هو إيجابي.
غالباً ما يُنظر إلى الأشخاص الذين يُفضّلون البيئات غير المرتبة على أنهم مُهملون ومُشتَّتون ويفتقرون إلى الكفاءة. وبصفتي واحدة من هؤلاء، أواجه دائمًا تلك الانتقادات التي تجعل من الفوضى خطيئة شخصية تلوث مفهوم الكمال المقدس، وكأن تنظيم الغرفة أو المكتب يوازي تنظيم الحياة بأكملها وكل من لا يعيش داخل خطوط مستقيمة يعاني من خللٍ ما.
لكن ماذا لو لم تكن الحكاية بهذه البساطة؟ ماذا لو كان ما يسمى "فوضى" بالنسبة للبعض هو شكل آخر من أشكال النظام الشخصي الذي يعمل بكفاءة داخل رأس صاحبه؟
الفوضى كبيئة خصبة للإبداع
إن التجربة الإنسانية غنية بالمتناقضات، وما يعتبره البعض فوضى مضجرة، قد يكون للبعض الآخر بيئة خصبة للإنتاج والتركيز. على عكس ما هو شائع أن الكتابة الإبداعية تحتاج إلى مكان هادئ ومنعزل يسمح بتدفق الأفكار ، في كتابها "حليب أسود"، تشير الكاتبة التركية أليف شافاق إلى أنها لا تستطيع الكتابة إلا وسط الأجواء الصاخبة، فتستعين بفوضى الحياة، كي تتمكن من الإبداع.
"أفتح نوافذي وأنا أجلس لأكتب رواية. بالتأكيد ليس هدفي أن أغزو العالم الخارجي بموسيقاي الخاصة، بل أريد أن تغزو موسيقى العالم الخارجي فضائي الداخلي. صيحات النوارس، أبواق السيارات، صفارات سيارات الإسعاف، شجارات الزوجين اللذين يسكنان في الطابق العلوي، ضجيج الأطفال وهم يلعبون كرة القدم في الجهة المقابلة من الشارع، أصوات قطع الطاولة القادمة من المقاهي، صراخ الباعة المتجولين، وموسيقى البانك وما بعد البانك التي تدور على مشغل الأقراص المدمجة... فقط في خضم هذه الضجة الصاخبة يختفي صخب حياتي للحظات. عندها فقط أستطيع الكتابة بسلام."
في اعتقادي أن كلمات أليف شافاق تلك هي دعوة لإعادة التفكير في مفهومي التنظيم والفوضى، وفتح الباب أمام فهم أعمق للكيفية التي يعمل بها العقل البشري.
نظام الفوضى وفوضى النظام
في حالتي على سبيل المثال، فإن فكرة التنظيم بالمفهوم التقليدي قد تكون مصدراً للتوتر والقلق أكثر من كونها مساعدة. الطاولات المُرتَّبة بشكلٍ صارم، والأوراق المُصنَّفة بدقة، والأغراض الموضوعة في أماكن مُحدَّدة، ما هي إلا مجموعة من القيود التي تُكبّل التفكير الحر وتعيق تدفق الأفكار. المفاجأة أن هذا النمط -الذي ينصحني به الجميع- يشعرني بالضياع والتيه. وعلى العكس، تشعرني العشوائية بالألفة والاطمئنان. يسخر مني الجميع عندما أقول أنني أعرف جيداً أين يقع أي من أغراضي مهما كان صغيراً وسط هذه الفوضى، بينما على العكس، إذا تم ترتيب الغرفة -وفق النظام المعتاد- أتوه وسطها وأشعر بالغربة ويصبح رأسي أكثر ضجيجاً، كأنني أضعت إشاراتي الخاصة، العلامات الصغيرة التي كنت أستدل بها على طريقي وسط الزحام الداخلي.
يتطلَّب النظام التقليدي بالنسبة لي جهداً واعياً للحفاظ عليه، وهذا الجهد يستهلك من طاقتي الذهنية التي يمكن استغلالها في الإبداع أو التركيز على مهام أكثر أهمية. عندما توضع الأشياء في أدراج أو أرفف بترتيب منهجي، فإنها قد تفقد بعضاً من "شخصيتها" أو "ارتباطها" المباشر باللحظة التي استخدمت فيها آخر مرة. وهكذا، يصبح استدعاء الذاكرة مرتبطاً بعملية بحث منظمة، بدلاً من أن يكون استدعاءً تلقائياً ينبع من رؤية الغرض في محيطنا الطبيعي. وبذلك، تكون الفوضى بالنسبة لي هي النظام الأمثل ويصبح النظام هو الفوضى.
يجب أن ندرك أن هناك عقولًا تعمل بخريطة غير خطية. أفكارها لا تمشي في طابور، بل تقفز، ترتبط، تتشابك. الورق المبعثر على المكتب ليس إهمالاً دائماً، بل قد يكون خريطة بصرية للذاكرة. كل ورقة في مكانها "الفوضوي" تذكير بشيء، مشروع، فكرة، إحساس لم يكتمل بعد. نقلها إلى ملف قد يعني ببساطة اختفاءها من الوعي.
ليست فضيلة ولا عيباً
أشارك أليف شافاق في أنه "بطريقة غريبة، هذه الفوضى تساعدني على تعزيز ذاكرتي". لكن الدفاع عن "الفوضى" هنا لا يعني بالضرورة انتقاد "النظام"، فكما ذكرت، جميعها مفاهيم نسبية تختلف من شخص إلى آخر. لكن المهم هو الاعتراف بأن المسألة ليست أخلاقية، ولا واحدة تناسب الجميع. فوضاي ليست بطولة ونظام الأخريات/ين ليس فضيلة والعكس صحيح. الاثنان استراتيجيتان للتعامل مع العالم، ولا عيب في إحداهن ولا فضيلة لواحدة عن الأخرى.
ربما أكثر ما يؤلمني ليس عدم فهم معظم الأشخاص لطبيعتي العشوائية، بل الإصرار على أنني "سأكون أفضل" لو أصبحت العكس. كأننا يجب جميعًا أن نعيش وفق نموذج موحد للحياة. ماذا لو كان التحسن الحقيقي هو أن أفهم نفسي أكثر؟ أن أعرف أنني أعمل بشكل أفضل وسط هذه الفوضى الخلاقة؟ أن أقبل أن عقلي لا يحب الخطوط المستقيمة كثيراً، بل المسارات المتعرجة؟
في عالم يريد كل شيء مُصنَّفاً، مُرقَّماً، ومُغلقاً في صناديق، ربما تكون هذه الفوضى الصغيرة، شكلاً من أشكال المقاومة الحميمة.



