الثامن من تموز عام 1996، الساعة الخامسة صباحًا. فتحت عينَي لأرى أمي واقفة بجانب سريري ببطنها المنتفخ المتواري تحت فستان الحمل، تخبرنا أنا وإخوتي بأنها ذاهبة إلى المستشفى للولادة. انطبع المشهد في ذهني وظلّ مصدر عجب وقصة أحكيها لسنوات، ليس فقط لأنه كان يوم ولادة أخينا الصغير الذي انتظرناه بفارغ الصبر بعد أن كبرنا جميعًا واشتقنا إلى وجود طفل في البيت، بل لأنّه يخالف الفكرة التي زرعتها الدراما في رأسي عن الولادة. ها هي أمي تستيقظ بعد منتصف الليل على آلام المخاض، لكنّها لا تصرخ وتهرع إلى المستشفى فورًا وهي تتزحلق بماء رأس الجنين ثمّ تلده في مصعد المستشفى، بل نهضت دون أن توقظ أحدًا، نظفت البيت وغسلت وجبة غسيل ونشرتها، ثمّ ارتدت ملابسها وحضّرت أغراضها وأغراض المولود في حقيبة، وأيقظت أبي ليأخذها إلى المستشفى.
صحيح أنّ حالات الولادة الخاطفة التي نراها في المسلسلات تحدث في الواقع أحيانًا، فلا بد أنكم تعرفون أو على الأقل سمعتم بامرأة وضعت مولودها على باب المستشفى، أو في التاكسي، أو قبل أن تستطيع مغادرة البيت أصلًا، لكنّ هذه ليست الحالة السائدة. في الوضع الطبيعي، ستقول لك طبيبتك أن تحضّري حقيبة المستشفى فور بلوغك الأسبوع السادس والثلاثين من الحمل، وإن كنت ستصبحين أمًّا للمرة الأولى، فقد تتفاجئين أو حتى قد تصيبك نوبة هلع صغيرة حين تشعرين بانقباضات الولادة فتتصلين بالمستشفى ليقولوا لك أن تبقي في بيتك ولا تحضري إلّا حين تصبح المدة الفاصلة بين كل انقباض وآخر خمس دقائق، أو عشر دقائق إن أرادوا أن يكرموك بعض الشيء. الفكرة أنه إن تم إدخالك إلى المستشفى رسميًا فلن يسمحوا لك بالخروج حتى تضعي مولودك، وبما أنّ المخاض قد يستمر عشر ساعات، بل في بعض الحالات قد يمتد إلى عشرين ساعة أو أكثر، فلماذا تقضين كل ذلك الوقت على سرير مستشفى بينما يمكنك استغلاله في ترتيب أمورك أو حتى الذهاب إلى الكوافير؟ ولا أظنك من السذاجة بحيث تصدقين أن طاقم المستشفى يفعلون ذلك لأنهم قلقون على راحتك، فهم على الأغلب يريدون أن يوفروا على أنفسهم العمل والرعاية الإضافية التي ستتطلبينها خلال وجودك هناك، وتوفير الأسرّة للحالات الملحّة والطارئة. لكنّ ذلك يصبّ في مصلحتك أنت في النهاية، فالمستشفى ليس تكيّة لعابري السبيل، والإقامة فيه ليست مجانية، وبمجرّد أن ينزل اسمك في السجلّ كحالة ولادة ستكشّر شركة التأمين عن أنيابها وتقف بالمرصاد لتحسب عليك كلّ ساعة وكل دقيقة.
بأيّ حال، يمكن تجنّب كل هذه الدراما إن تمّ تحديد موعد ولادتك مسبقًا، سواءً بعملية قيصرية أو من خلال تحريض المخاض، أو ما نسميه باللغة الدارجة الطلق الصناعي، وهو ما حدث معي.
بدأت سلسلة الأحداث التي أدّت إلى ولادتي قبل ثلاثة أسابيع من موعد الولادة المفترض. ذهبتُ إلى موعدي الأسبوعي مع طبيبة التوليد -ففي الشهر الأخير من الحمل يكون عليك رؤية طبيبك مرة في الأسبوع على الأقل- وكنت قد شعرتُ بأنّ حركة الطفل خفّت بعض الشيء خلال اليوم الفائت. ومع أنني كنت شبه متأكدة أنّ ذلك جزء من وساوسي، إلّا أنني أخبرت الطبيبة بذلك على كل حال، استجابة للتوصيات المستمرة بعدم إهمال أيّ تغيّر في حركة الجنين. أرسلتني إلى قسم الولادة لإجراء تخطيط لنبض الجنين، حيث استلقيتُ على سرير ووضعوا على بطني أسلاكًا ومجسّات خاصة، ثم خرجت الممرضة وتركتني أنا وزوجي في الغرفة وحدنا.
كان المفروض أن يستغرق الأمر عشرين دقيقة. وفعلًا بدا كل شيء طبيعيًا وظننا أنه سيكون مجرد إجراء احتياطي روتيني. لكن بعد ربع ساعة تقريبًا، بدأ الجهاز يصدر طنينًا مخيفًا. لم نفهم ما يحدث، ومرّت دقائق دون أن يأتي أحد من الممرضات أو الأطباء، فطمأنت نفسي وزوجي بأنه لو كان هناك شيء خطير لوجدت الممرضة تأتي جريًا.
بعد قليل، دخلت الممرضة على مهل وقالت لنا بهدوء إنّ نبض الجنين انخفض بشكل مفاجئ ثم عاد للارتفاع من جديد، وإنهم لا يعرفون السبب، لكنها أخبرت طبيبتي وهي قادمة في الطريق، كما إنّ هذا يعني أنّ علينا البقاء هنا مدة أطول لنرى إن كان الأمر سيتكرر.
وصلت طبيبتي واطلعَت على تخطيط النبض. كان هبوط النبض قد تكرر مجددًا مرة واحدة خلال ساعة قضيناها هناك، فقالت لي إنّ وضعه العام يبدو جيدًا، لكن من الأفضل إعادة التخطيط في اليوم التالي وإجراء سونار مفصّل للاطمئنان، وكان ذلك ما فعلته في اليوم التالي. ومع أنّ كل الفحوصات التالية لم تظهر وجود أيّ مشاكل، إلّا أنها لم تفلح في كبح التوتر الذي لازمني منذ تلك اللحظة، وبعد أسبوعين من تلك الحادثة قلت لطبيبتي إنني لا أستطيع أن أعيش في هذا القلق أكثر من ذلك، وارتكبت إحدى الموبقات في عُرف مؤثرات السوشال ميديا: طلبت منها أن تحدد لي موعدًا لتحفيز الولادة بالطلق الصناعي.
وإن كنتِ قد جربت الحمل والولادة في عصر التيك توك، فستعرفين ما أتحدث عنه، فما أن يشمّ الذكاء الاصطناعي رائحة جنين في أحشائك حتى يغرقك بسيل من الفيديوهات والمنشورات التي تتحدث عن الحمل والولادة والرضاعة الطبيعية وكلّ ما يتعلّق بمعجزة الحياة هذه، وستظهر أمامك فتيات لا تعرفينهنّ ولا يعرفونك يحذّرنك من مخاطر الحليب الصناعي والمناديل المبللة ولهّايات الأطفال، وستجدين امرأة تصرخ بغضب لتحذّرك من سماع كلام الأطباء، وتحثك على رفض الطلق الصناعي تحت أي ظرف، حتى لو بقي الطفل في بطنك أسبوعين بعد موعد الولادة المفترض، سيخرج حين يكون مستعدًا.
طبعًا هنا يكون لديك خيار صعب بين أن تسمعي كلام “خبيرة ولادة” تتمثل خبرتها في أنها مرّت بتجربة ولادة ناجحة، وأهمّ مؤهلاتها أنها تملك هاتفًا ذكيًا وتجيد الكلام -وأحيانًا الصراخ- أمام الكاميرا، وبين أن تسمعي كلام طبيبتك التي لا يميزها عنها إلّا شهادة دكتوراة في الطب، وعشرون عامًا من الخبرة في مجال النسائية والتوليد، وميزة ثانوية غير مهمة هي أنها تتابع حملك منذ أشهر وتعرف تاريخك الطبي والوضع الصحي لك ولطفلك المنتظر.
ومع أنني أنا من طلبت تحريض المخاض، إلّا أنني عرفت لاحقًا أن طبيبتي كانت ستقترحه عليّ حتى لو لم أطلبه، حيث رأت في الفحوصات ما جعلها تشتبه بوجود شيء يبطئ نمو الجنين، ولمّا طلبتُ منها إجراء التحريض قررَت ألّا تخبرني بمخاوفها نظرًا إلى حالة القلق والتوتر التي كنت أعيشها مسبقًا، وأنا ممتنة لها على ذلك حتى هذا اليوم، ولا يهمني إن كان هذا هو التصرّف الصحيح مهنيًا، من باب أنّ الطبيب يجب أن يصارح المريض بكلّ شيء. بالنسبة إليّ وإلى وضعي، كان ما فعلَته هو قمة المهنية والإنسانية، فلم أكن بحاجة إلى معرفة تلك المعلومة بالتأكيد، وآخر ما كنت أحتاج إليه هو مزيد من الضغط النفسي.
وهكذا دخلت المستشفى ذات خميس في قمّة الحماس كأنني ذاهبة لحضور عرض في السيرك. ولِمَ لا؟ فقد كانت فكرتي عن الطلق الصناعي أنهم سيعطونني محلولًا بالوريد فينزلق الطفل إلى النور بعد ساعات. ولا أظن أنني كنت سأشعر بهذا الحماس لو كنت أعرف أنّها ستكون إحدى أكثر التجارب الجسدية المؤلمة في حياتي! -ولا أقصد هنا تخويفكِ إن كنت ستضطرين إلى هذا الإجراء يومًا ما، فما فهمته هو أنّ هناك طرقًا مختلفة لتحريض المخاض، كما أنّ العامل النفسي لعب دورًا في شعوري بكلّ ذلك الألم. طبعًا لا مجال للتخدير هنا، كلّ ما يمكنهم فعله لتخفيف الألم هو إلباسك قناعًا يصدر غاز أوكسيد النيتروس، المعروف باسم “غاز الضحك”، وهو في الحقيقة لا يفعل الكثير، فلم أشعر بأنه خفّف الألم وإنّما جعلني أشعر بالانفصال عن الواقع بعض الشيء، كأنني أحلم بالألم ولا أعيشه فعلًا. لكنني تحمّلت ذلك ممنّية نفسي بأنّه ألم مؤقت لمرة واحدة، وتضحية بسيطة في سبيل رؤية طفلي أخيرًا. وكم ظننتُ وظننتُ ولكن خاب ظني!
كان المفروض أن تعود الطبيبة في الصباح التالي، أي بعد 12 ساعة تقريبًا، لتجدني جاهزة للولادة بعد أن أخذ الطلق الصناعي مفعوله، ولم أتوقّع غير ذلك، كون انقباضات الحمل بدأت منذ ساعات الليل. لكنّ المفاجأة كانت أنّ عنق الرحم لا يزال مغلقًا تمامًا، كأنني في الشهور الأولى من الحمل، لا على وشك الولادة. ما الحل إذًا؟ لنجرّب جولة أخرى من الطلق الصناعي...
طِبق الأصل العلقة اللي فاتت!
لكننا لن ننتظر 12 ساعة هذه المرة، أربع ساعات فقط لنرى إن كان هناك تقدّم، وهو ما ظننته حدث فعلًا لأنّ الانقباضات أصبحت أقوى وأسرع، حتى وأنا أسمع نبرة صوت الطبيبة المحبطة من تحت قناع الغاز، وأحاول أن أكذّب ظني.
“لا نعرف ما الذي يحدث في الداخل بالضبط، لكنّ جسمك يرفض ولادة هذا الطفل بشكل طبيعي. إنه يحاول حمايته من شيء ما...”
كانت تلك كلمات الطبيبة التي ما زلت أتذكرها كأنني سمعتها للتو. شرحَت لي أنّ عنق الرحم مغلق تمامًا، رفض كامل للانصياع، وأنه لا يمكننا أن نعرّض الجنين لمزيد من الضغط، لذلك فالحل الأسلم في هذه الحالة هو اللجوء إلى عملية قيصرية...
يتبع...




شكرا يا غيداء ❤️ أسعدتيني جدا بكلامك وأرجو أن تجدي بقية السلسلة بنفس الإمتاع
استمتعت جدًا بقراءة السلسلة يا علا! قرأتها بحماس منذ ما قبل الزواج، مرورًا بلقائك بالمنشود، وصولًا إلى ترقب طفلك الأول.
أحب كثيرًا القصص الذاتية التي تنقل تجارب حقيقية، خاصة حين تكون بتجربة عميقة ومفصلية كالأمومة، وبأسلوب ممتع كأسلوبك.
استمري، كلي حماس لقراءة بقية السلسلة.