ذاكرة الضوء
يمكن أن تعني الصورة الفوتوغرافية أشياء كثيرة في آنٍ واحد، وربما في هذا التعدّد يكمن سرّ قوتها. في أبسط معانيها، هي أثرٌ من الواقع: ضوءٌ التُقط في لحظة معيّنة وثُبّت في الزمن. كأنها تقول، هذا كان موجودًا، هذا حدث، هذا الشخص كان هنا. لكن في معناها الأعمق، هي تخليدٌ للذاكرة، تحفظ ما كان الزمن سيأخذه معه: ملامح قبل أن تتغيّر، مكان قبل أن يختفي، شعور قبل أن يخفت، وأشخاص نحبّهم وقد نخسرهم مع الوقت. تنبهنا أن هذه اللحظة تستحق أن تُرى وأن تُخلَّد، لتعود إليها يومًا ما وتعيش بين إحساسٍ كان آنذاك، وإحساسٍ يولد الآن.
هكذا وصف لنا أستاذنا في جامعة القديس يوسف معنى الصورة الفوتوغرافية، بشكلٍ شاعري بعيدًا عن الكاميرات والعدسات، وقريبًا من جوهرها الإنساني. بقي هذا التفسير يرافقني مع كل صورة التقطتها، مهنيًا وشخصيًا، ورافقني أيضًا وأنا أتصفّح ألبومات صور العائلة. مع كل صورة، أشعر بشيء من الحنين: أرى طفولتي تحدّق بي، أرى شعر أبي قبل أن يزوره الشيب، وأرى ابتساماتٍ لم تكن تعرف بعد كم سيأخذها الزمن بعيدًا. نفرح ونحن نتأمّل الصور، ونحزن في الوقت نفسه.
صور الطفولة تشبه الجذور. وعندما فُقد منزل العائلة خلال الحرب الإسرائيلية على لبنان عام ٢٠٢٤، كان طلبي الوحيد إنقاذ الصور. كانت أكثر ما يهمّني من مقتنيات غرفتي، لم تكن مجرّد مقتنيات، بل ما يربطني بالمكان وبنفسي. كنت أحتفظ بمجموعة من صوري المفضّلة في ظرفٍ أبيض، أضعه بين الكتب بجانب سريري. حين علمت أنّها نجت من القصف، شعرت أنني نجوت أنا أيضًا—بجزء صغير من الماضي، لكنه كافٍ لأخفّف ثقل الفقد.
في زمن الهواتف الذكية، هل تغيّر معنى الصورة؟
في مقال قرأته منذ أعوام، تناولت الكاتبة هذا الموضوع وتطرّقت إلى خطورة أرشفة الصور رقميًا، مقابل الأمان الذي تمنحنا إيّاه الصور الورقية. تحسّرت على ألبومات صور عائلتها التي اختفت من قرصها الصلب بعد أن اجتاحه فيروس ومسح كل ما فيه. منذ ذلك الحين، صارت الصور الرقمية تبدو لي هشّة، تشبه الذاكرة نفسها حين لا تجد ما يثبتها. نثق بالرقمنة، لكننا لا نملكها فعلًا. كم مرّة سمعنا قصصًا مشابهة؟ هاتفٌ تعطّل وفقد كل ما فيه، أو أجهزة قُرصنت وهدّدت معلومات شخصية وذكريات ثمينة. هذا الخطر شائع وقد يصيبنا جميعًا في عصر نعتمد فيه كليًا على الرقمنة. هواتفنا معرّضة للاختراق، حواسيبنا هشّة، وذكرياتنا الرقمية أقل أمانًا مما نعتقد. لذلك يدعو المقال إلى العودة للصور الورقية والتصوير الـ Analog، حيث تكمن قيمة اللحظة وتُحفظ الذكرى بأمان. لكن هل هناك مكان للصور الورقية في زمن الرقمنة الذي نعيشه؟
علّمني التصوير الـ Analog الصبر وأشياء أخرى، فقد تعلمت في دراستي الجامعية أسس التصوير الفوتوغرافي في معهد الفنون السمعية والبصرية. تعلّمك الكاميرا الـ Analog أهمية التقاط اللحظة قبل فوات الأوان، وعلاقة الضوء بالزمن، لكن تعلمك أن الصورة لا تُرى فورًا، وأن الانتظار جزء من المعنى. تحميض الصور، غسلها، تعليقها لتجف، ثم رؤيتها للمرّة الأولى، وكأنك تشهد ولادة بطيئة. تتعلّم أيضًا تقبّل الـعيوب، والتخلّي عن التوقّعات المثالية التي قد ترافقك خلال مرحلة التصوير، وتقبّل الأخطاء والتعلّم منها. دون أن ندري، يعلّمنا التصوير الـ Analog دروسًا كثيرة في الحياة، لا نفهم قيمتها إلا بعد مرور الزمن. أشياء لا يمكن أن تعلمنا عنها الكاميرات الحديثة، لا سيما كاميرا الهواتف، التي جعلت من الصورة بالأمر السهل لحد التفاهة.
واليوم، بوجود الكاميرات الرقمية والهواتف الذكية المزوّدة بأعلى تقنيات التصوير، فإن الأجيال القادمة لن تترك صورًا ورقية تعود إليها لمعرفة ماضيها، بل على الأغلب سوف تلجأ إلى شاشات وألواح ذكية، هذا إن سلِمت من القرصنة والضياع. ومع ذلك، يبقى للصور الورقية سحرٌ لا يُضاهى. تفاصيل لا يمكن تجاوزها ولا تستطيع الصور الرقمية مجاراتها. تحتفظ الصور الورقية، بعيوبها وعدم كمالها، بأجمل قصصنا، وتجمعنا بمن نحب. نعود إليها متى شئنا، نكتب على ظهرها تاريخًا، اسم مكان، أو حتى عنوان أغنية تذكّرنا بتلك اللحظة.
في النهاية، أتساءل إن كان بإمكاننا أن نعود للصور الورقية والتصوير الـ Analog. ربما تكون هذه العودة فرصة لحفظ ذكرياتنا كما هي، كما عشناها فعلًا، بعيدًا عن الفلاتر والتجميل: بجميلها وقبيحها، بعيوبها وتفاصيلها، بناسها وأماكنها. صور ترافقنا عبر السنين بصدق، بعفوية، وبقدرٍ أكبر من الأمان.





حبّيت يا مي 🤍 أشاطرك الرّأي!
نص غني جداً بأبعاده الحسية. وأعتقد أننا فعلاً بحاجة لأمان الصور الورقية المطبوعة. مثلاً صور طفلي بغاية الأهمية لي وعملت كل عام على حفظ أجملها لكنني فعلاً بحاجة أن أطبع له هذه الذكريات.