الرفض… وما علمني إياه
"نأسف لإبلاغك بعدم قبول طلبك".. إذا أردت أن أختار عنوانًا لعام 2025 فلن أجد أفضل من هذه الجملة تعبيرًا عنه. ولولا أنني أدرك جيدًا أنني لم أكن الوحيدة التي مرت بنفس التجربة ونفس الشعور لما تشجعت على كتابة هذا المقال.
لم يكن 2025 عامًا عابرًا، بل كان مثقلًا بتلك الرسائل الإلكترونية الباردة التي تبدأ غالبًا بجملة مهذبة وامتنان على الجهد المبذول في تقديم الطلب ولكنها تنتهي بالسطر المعهود: نأسف لإبلاغك بعدم قبول طلبك. رفض بعد رفض. منح، زمالات، فرص عمل، برامج كنت أراها امتدادًا طبيعيًا لمساري، أو على الأقل خطوة عادلة بعد كل ما بذلته من وقت وجهد وشغف، لكن ما حدث هو العكس تمامًا.
الرفض، في صورته الأولى، ليس حدثًا مهنيًا فقط. هو تجربة شعورية كاملة، صفعة صامتة للثقة بالنفس، سؤال مبطن عن القيمة: ألست كافية؟ هل ما أفعله له معنى؟ رغم كل الخطابات التحفيزية التي تُمجّد "الفشل" باعتباره خطوة نحو النجاح، يبقى الرفض مؤلمًا حين يتراكم، وحين يأتي في لحظة هشاشة، وحين يطرق بابك مرارًا دون أن يمنحك مهلةً لالتقاط أنفاسك.
أول ما يفعله الرفض هو خلط الحدود بين ما نفعله ومن نكون. نبدأ في قراءة الرفض باعتباره حكمًا على ذواتنا، لا على الطلب، ولا على التوقيت، ولا على السياق، فتتحول التجربة الخارجية إلى إدانة داخلية. وهنا يصبح الألم مضاعفًا، لأن الخسارة لا تقتصر على الفرصة بل تمسّ صورة الذات أيضًا.
يشير علم النفس إلى أن الرفض يُحفِّز نفس مناطق الألم الجسدي في المخ، وبالتالي قد نشعر بالرفض وكأننا نختبر ألمًا جسديًا وليس فقط شعوريًا. كذلك فإن الرفض قد يهزّ شعورنا بالقبول المجتمعي لذواتنا، ما يؤدي إلي مزيد من الألم. ولكن هذا النوع من التفكير لا ينتج مراجعة صحية، بل اجترارًا قاسيًا. ومع الوقت، يتحول الرفض إلى عبء نفسي مزمن، قد يقود إلى الإرهاق، أو الإنهاك العاطفي المرتبط بالإنجاز.
قد يكون تأثير الرفض على بعض الأشخاص إيجابيًا، فيحفزهن/م على الاستمرار أو الانتباه إلى جوانب النقص وتعويضها، ولكن، للأسف، لم يسعفني حظي أن أكون من تلك الفئة. في العام السابق، وجدت نفسي أعيش هذه الحالة بوضوح. كنت أراجع كل طلب أرسلته، كل سطر كتبته، كل فكرة اقترحتها، حتى أنني قررت ألا أحذف أيًا من تلك الرسائل في بريدي الإلكتروني وفكرت أن أجمعها في كتيب يحمل كل فشلي دفعة واحدة.
بيد أنه، ومع مرور الوقت، بدأ تفكيري يختلف، خصوصًا عندما أدركت أنني لست الوحيدة التي تمرّ بهذه الحالة، بل هناك من هم أعلم وأكثر خبرة مني ومع ذلك لم يسلموا من الرفض. هنا، بدأت أتوقف قليلًا وأدرك أنني بحاجة إلى المزيد مما يعرف بالمرونة النفسية، وهي القدرة على الاتصال باللحظة الحاضرة والتكيف مع التغيرات بطرق مبتكرة وصحية. وهكذا، تعلمت أن أفصل بين قيمتي الإنسانية وبين نتائج لا أتحكم في معظم شروطها. وأدركت أن القدرة على تجاوز الرفض لا تتعلق بالقوة أو "الجلد"، بل بالقدرة على إعادة تأطير ما حدث دون إنكار الألم أو الاستسلام له.
أحد أهم التحولات التي ساعدتني كان الاعتراف بأن الحزن الناتج عن الرفض هو حق إنساني لا يحتاج إلى تبرير ولا إلى مقارنة. لسنا مطالبات/ين بأن نكون دائمًا في حالة امتنان ولا أن نحول كل خيبة أمل إلى درس فوري، ففي بعض الأوقات تكون خيبة الأمل فقط خيبة أمل. لذلك، فالسماح لأنفسنا بالشعور بالحزن هو خطوة أساسية نحو التعافي.
ثم جاءت خطوة أخرى أكثر صعوبة، وهي فك الارتباط بين الجهد والنتيجة. في عالم الفرص المحدودة والمنافسة العالية، لا تكون النتيجة دائمًا انعكاسًا مباشرًا للكفاءة. هناك عوامل بنيوية، وشبكات علاقات، وسياسات تمويل، وتحيزات غير مرئية، وكلها تُساهم في رسم النتيجة. إدراك هذا كله لا يعني التهرب من النقد الذاتي، بل تحريره من القسوة غير العادلة.
مع الوقت، بدأت أتعامل مع الرفض بوصفه معلومة لا حكمًا. أصبح يُمثّل معلومة عن السياق، عن اللحظة، عن ما يُطلب وما لا يُطلب الآن. وقد ساعدني هذا التحول البسيط بشكلٍ كبير، فجعلني أراجع دون أن أُحطّم ذاتي، وأتعلم دون أن أعاقب نفسي. كما أعاد لي الإحساس بشيء من التحكم بمصيري الشخصي، فأنا ما زلت أملك القدرة على الاختيار، حتى حين لا يتم اختياري.
ما تعلمته أيضًا هو كسر العزلة الناتجة عن الاعتقاد بأنني "الوحيدة التي تُرفض"، ففي اللحظة التاريخية الحالية، لم يعُد الرفض تجربة فردية، بل أضحت هذه التجربة جماعية في عالمٍ غير عادل.
لا أدعي أنني "تجاوزت" الرفض بالكامل. بعض الرسائل ما زالت تؤلم، وبعضها قد يولد شعورًا بالنقص أو عدم الكفاءة. لكنني تعلمت أن رسالة الرفض هذه لن تلغي ما أنجزته سابقًا، ولا يجب أن يتم اختزالي في بريد إلكتروني أو قرار لجنة تحكيم لها أجندتها وتحيزاتها. هذا جزء من الطريق وليس كل الطريق.
ربما كان 2025 عام الرفض. لكنه كان أيضًا عام إعادة التفاوض مع نفسي: على وتيرتي، وعلى توقعاتي، وعلى تعريف النجاح ذاته. وفي عالم يكافئ قلة منا وينهك الأغلبية، أحياناً قد يكون أعظم إنجاز هو أن نستمر، أو حتى مجرد أن نفتح أعيننا في الصباح.





نقاط كثيره رائعة
احدى النقاط المحورية هي فك الارتباط بين الجهد والنتيجة - أعتقد إنه من اصعب الأمور التي يجب إستيعابها -
والتعامل مع الرفض بوصفة معلومة لا حكماً - نقطة مهمّه جداً تجعلنا نتقبل الرفض ولو بشكل بسيط -