ذاكرة رقمية
منذ عشرين عاماً، لو أن أحدهم تجرّأ وطرح فكرة الذكريات الرقمية، لنظر إليه الناس بعيون مستغربة، غير مدركين أن ما يقوله سيصبح يوماً جزءاً من نسيجنا اليومي. اليوم، ونحن في قلب جيل الرقمنة، نُسلّم وسائل التواصل الاجتماعي ما هو أثمن ما نملك، أخبارنا، صورنا، أحبّاءنا، وذكرياتنا. لم تعد الذكريات حِكراً على الورق، وإن ظلّ لذلك سحره الخاص ونوستالجياه التي لا تُقاوم، إلا أن الذكريات يمكن أن تتخذ أي شكل تريده، وليس فقط على الورق. فقد باتت للرقمنة حصةٌ وازنة من ذاكرتنا، حصة لم نمنحها بوعي دائماً، لكنها باتت موجودة.
الذكريات الرقمية تحمل في طياتها سرّ المفاجأة. تلك اللحظة حين تدرك أنك لا تتذكر فعلاً ما كنت عليه في مثل هذا اليوم منذ خمس سنوات أو أكثر. فتعود ذكريات فيسبوك لتُسلسل حياتك في ذات اليوم على مرّ السنوات، كأنها تضع أمامك مرايا متعددة لذواتٍ لم تعد تعرف بعضها. نسخ منك بقيت أو رحلت، تطورت أو ثبتت على حالها، توقظك أحياناً وتصفعك أحياناً أخرى. لكنها تبقى نافذة على الماضي القريب والبعيد، نافذة لا تملك دائماً خيار فتحها أو إغلاقها.
أحبّ أن أستكشف ما كتبتُه منذ سنوات، وكيف عبّرت عن ذاتي عام ٢٠١٧. أشعر وأنا أتصفّح تلك الصفحات القديمة كأنني أشدّ رحالي في رحلة للبحث عن نفسي. أرى حياتي من الخارج، بعيون غريبة وحميمة في آنٍ معاً. تستوقفني أشياء شاركتُها فتزرع على وجهي ابتسامة، وأخرى تُشعرني بحزن لا أستطيع تفسيره دائماً. أحاول أحياناً أن أتذكر الموقف الذي جعلني أكتب جملةً ما، أن أسترجع تلك اللحظة كأنني أجمع قطعاً من صورة اعتقدتُ أنني نسيتُها. بعض الجمل بقي معناها يرافقني منذ أن شاركتها. مثلاً اليوم، أعادت إليّ ذاكرة فيسبوك اقتباساً نشرتُه عام ٢٠١٧ لنجيب محفوظ، يقول فيه: ” أقصى درجات السعادة هو أن نجد من يُحبّنا فعلاً، يُحبّنا على ما نحن عليه، أو بمعنى أدق، يُحبّنا برغم ما نحن عليه.“ ابتسمتُ، وفكّرتُ أن ربما الذكريات الرقمية تفعل شيئاً مشابهاً، تُعيد إلينا من كنّا، بكل تناقضاتنا وجروحنا، وتتركنا أمام سؤال واحد لا مفرّ منه: هل نحن مستعدون أن نحبّ تلك النسخ أيضاً؟ أن نسامحها؟ أن نعفو عنها؟ أن نتقبّلها بكل أشكالها؟
ربما ذكرياتنا الرقمية ليست سوى محاولة للشفاء من الماضي، من نسخ قديمة، من أخطاء وهفوات مررنا بها. ليست كل المواجهات سهلة، بعضها يؤلم أكثر مما نتوقع، إذ قد تفتح صورةٌ ما جرحاً ظننّا أنه التأم منذ زمن، أو تُعيد إلينا وجهاً فقدناه، أو صديقاً لم يعد كما كان، أو جزءاً منا دفنّاه دون أن نودّعه.
لهذا يكره الكثيرون ذكريات فيسبوك ويعتبرونها متطفّلة على سكينتهم. “أنا ابن اليوم ولا أريد أن أتذكر ما فعلتُه منذ عشر سنوات، لم أطلب ذلك.” في حين يراها البعض أداةً غير بريئة تماماً، إذ تتغذّى وسائل التواصل من حياتنا ومعلوماتنا على مدى سنوات، وتعرف عنا أحياناً أكثر مما ينبغي. والمخيف أننا لا نعلم أين تُخزَّن هذه الذكريات، ولا مع من تُشارَك.
بعيداً عن نظرية المؤامرة، التي ليست بعيدة عن الواقع بكثير، أنا أختار أن أواجه نسخي القديمة وأتصالح معها، وأجد في تلك المصالحة نوعاً من القوة. تفتح لي ذكريات فيسبوك نافذةً لتلك المواجهة. نعم، لم أطلبها، وربما لا أكون دائماً على جهوزية تامة لها، إلا أنني أجدها نافعة. لم تكن كل نسخي مثالية، وأخفقتُ كثيراً، والعكس صحيح أيضاً. لكنني أحبّ نسخي القديمة وأسامحها على كل ما اقترفتُه من أخطاء بحق ذاتي، لأنني ببساطة إنسان: أحببتُ، وآمنتُ، ووثقتُ، وأخطأتُ، وتعلّمتُ.
من كان ليقول إن لذكرياتٍ رقمية أن تصنع كل ذلك الفرق؟ وأنتَ أيها القارئ، حين تطلّ عليك ذكرياتك الرقمية فجأة، هل تفتح الباب لها، أم تغلقه؟





