منذ فجر التاريخ، أو منذ فجر الثورة الصناعية على الأقل، والناس يسألون: هل نقصّ الحبل السرّي؟
ربّما ليس بهذه الكلمات بالضبط، بل بصيغة أقرب إلى: هل نرسل الطفل إلى الحضانة أم نبقيه ملتصقًا بأمّه؟
ليس هناك مجلس أو وسيلة إعلام لم يخض الناس فيها هذا الجدل، من الجلسات العائلية إلى الكتب والمقالات وبرامج التلفزيون، وصولًا إلى حروب التعليقات على الفيسبوك وسجالات تويتر، وقد يصل الأمر إلى أن تكتسب كلمة "حضانة" وقعًا مرعبًا لارتباطها بأمور مروّعة تحدث في بعض الحضانات يرتكبها أصناف من البشر لا يمكن وصفهم سوى بأنهم عار على البشرية وعلى الحيوانية أيضًا، لكنهم الاستثناء لا القاعدة.
وستجدين كل شخص يقدم وجهة النظر التي تناسبه وتتلاءم مع ظروف حياته أو معتقداته. مثلًا، في أحد كتب نوال السعداوي تجدها تطرح مثالًا لدراسات "أثبتت" أنّ أفضل طريقة لتربية الأطفال هي إرسالهم إلى مكان يختلطون فيه مع أقرانهم تحت رعاية أشخاص متخصصين في التربية، بمعنى آخر: حضانة. لا أعرف ما هي هذه الدراسات ومن قام بها، لكن من الواضح أنها تتفق مع ميول السعداوي الاشتراكية، وأكاد أجزم أنها دراسات تمّت بدعم وتمويل من حكومة الاتحاد السوفييتي السابق. الحقيقة أنّ كلا النظامين الرأسمالي والشيوعي روّجا لعمل المرأة أو عدم عملها حسب مقتضيات كلّ مرحلة، لكن هذا موضوع يطول شرحه، ولستُ أفضل من يشرحه.
على الجانب الآخر، ستجدين رجالًا محافظين لا يكفّون عن شيطنة عمل المرأة وإدانة المرأة التي تترك أبناءها وتخرج للعمل بمختلف الاتهامات، أشهرها طبعًا أنها "لا تستحق أن تكون أمًا". تخيلي أن تعاني متاعب الحمل وأوجاع الولادة ومصاعب الرضاعة وتتخلي عن حاجات أساسية كالنوم من أجل طفلك، ليأتي رجل لا يعرف عنك شيئًا ويقرر في تعليق على الفيسبوك أنك لا تستحقين أن تكوني أمًا!
الأسوأ من ذلك حين يكون هذا الاتهام صادرًا عن امرأة مثلك، لكنّ الوضع هنا مختلف. في رأيي الشخصي الذي لا يقدّم ولا يأخّر، أكثر الناس تعصبًا وتشددًا في الأمور الشخصية يفعلون ذلك أحيانًا لأنهم يحاولون مواساة أنفسهم وتبرير قرارات حياتهم. أعني أنّ المرأة التي ترى أنّ على جميع النساء أن يتفرّغن لأبنائهنّ تكون في الحقيقة تحاول إقناع نفسها بأنها اتخذت القرار الصحيح حين اختارت ذلك، وأنها لا تضيع حياتها وتتخلى عن ذاتها. وكذلك المرأة التي تهاجم النساء اللاتي يتركن العمل ويخترن التفرّغ لأبنائهنّ، تلك تريد أن تنفي عن نفسها تهمة التقصير أو تزيح شعور الذنب الذي ينغزها وهي توصلهم إلى الحضانة كلّ صباح. لكنّ وسائل التواصل الاجتماعي ستكون مكانًا مملًا حتمًا لو ترك الناس المرأة في حالها لتقرر ما تريد فعله بحياتها حسب ظروفها وبالاتفاق مع شريك حياتها، لذلك دعونا من فضلكم نواصل التناحر حول الطريقة المثلى التي يجب أن يعيش بها جميع الناس حياتهم.
ويبقى الجدل في موضوع الأمهات العاملات ترفًا فكريًا إلى حدّ ما، فمع أنّ هناك أمّهات يخترن العمل لأسباب غير ماديّة، إلّا أنّ معظم النساء اللاتي يعملن بدوام طويل ويرسلن أطفالهنّ إلى الحضانات يفعلن ذلك اضطرارًا بسبب الظروف الاقتصادية وطبيعة الحياة العصرية ومتطلباتها التي تجعل من الصعب -وأحيانًا من المستحيل- على معظم العائلات الاكتفاء بدخل واحد، فيكون على الأمّ والأب العمل لتوفير تلك الاحتياجات. هؤلاء النساء لم تتوفر لهنّ أصلًا رفاهية الاختيار بين الخروج للعمل والتفرّغ للبيت والعائلة، أو حتى اختيار عمل يلبّي طموحاتهنّ وحاجاتهنّ النفسية، لكنّهنّ يجدن نساءً مترفات يخضن حروبًا بالنيابة عنهنّ، بعضهنّ يعملن في منظمات حقوق المرأة برواتب تصل إلى آلاف الدولارات، وأخريات ليس لديهنّ ما يضطرهنّ للعمل، وبالتالي يملكن ترف تقريع النساء العاملات المهملات والتغنّي بروعة حياة ربّة المنزل التي لا يغيب أطفالها عن عينها. ويتبع ذلك طبعًا الجدل حول أيّ الأمهات مرتاحة أكثر، التي تخرج للعمل فتأخذ استراحة من سماع كلمة "ماما" سبعة آلاف مرة في اليوم، أم التي تلزم البيت فتتحرر من تعب الوظيفة وتسلّط المدير، وسأريحكم وأقول لكم إنّ الإجابة هي: لا هذه ولا تلك، لا توجد أمّ مرتاحة.
وقد رأيتُ نماذج عديدة للمرأة التي تخرج للعمل وترسل أبناءها إلى الحضانة أو تضعهم في رعاية الأقارب، ونماذج أكثر للمرأة تلك التي قررت التفرّغ لوظيفتها كأمّ وربّة منزل، نماذج كثيرة موجودة منذ سنوات طويلة، الشاهد فيها أنّ الأبناء في كلتا الحالتين يكبرون وينجحون ويصبحون أفرادًا صالحين في المجتمع، إلّا أنّ ذلك لم يمنع استمرار الجدل العقيم والهوس بالموضوع كل هذه السنوات!
لكنّ جزءًا كبيرًا من هذا الجدل يأتي من التصوّر المجتمعي لدور الأمّ. الأمومة تعني التضحية، وبمجرد أن تصبحي أمًّا يصبح متوقعًا منك أن تنكري ذاتك وتضحي بحياتك الشخصية من أجل أبنائك، بل هناك ظاهرة تتمثل في تباهي الأمهات بالتعب والمعاناة وعدم إيجاد أيّ وقت لأنفسهنّ، لأنّ ذلك يعزز صورتهنّ كأمّهات مضحيّات! بالتالي، تكون أي وسيلة مساعدة خارجية للأمّ موضع شبهة، كأن ترسل أطفالها إلى الحضانة، أو حتى حين يقوم زوجها بمهام رعاية الأطفال، إذ تجد كثيرًا من الناس يستغربون قيام الأب بتغيير حفاضة ابنه وهم في زيارة عائلية مثلًا، ولا بدّ أنكم شهدتم ذلك النوع من الهمز واللمز الذي يفترض أنّ الزوجة كسولة ومسيطرة والزوج مغلوب على أمره لمجرّد أنه يقوم بمهامه الطبيعية كأب. أمّا الأشخاص الأكثر تفتّحًا فسيعتبرون ذلك مساعدة نبيلة من الأب، “مساعدة”، كأنه فضل منه أو شيء إضافي يقوم به لأبناء الجيران، لا أبنائه هو.
على كل حال، عليّ الاعتراف بأنّ موضوع الحضانة من المواضيع التي كنت أجرؤ على التنظير فيها قبل أن أدخل عالم الأمومة، فكم كنت أقول إنني لا يمكن أن أرسل طفلي إلى الحضانة قبل أن يتعلّم الكلام، وإنني لا يمكن أن أسمح لشخص غريب بتغيير حفاضته، ثمّ اتّضح أنّ كل هذا تنظير من يهرف بما لا يعرف، وجرأة انعدام التجربة. طبعًا، حين كنت أقول هذا الكلام لم أكن أعرف أنني سأعيش على بعد آلاف الأميال عن عائلتي، ولن يتسنى لي أن أرسل ابني لقضاء النهار عند أمي حين أحتاج إلى العمل أو إنجاز بعض المشاوير، ولن يتسنى لابني الاختلاط بأبناء خالاته وأعمامه وعيش طفولته معهم، كما عشنا نحن طفولتنا مع أبناء أعمامنا وخالاتنا.
وبالمناسبة، ليس ضروريًا أن تكون لديك خطط عظيمة كي تطلبي وقت فراغ لنفسك. أنا أرسل عزيز إلى الحضانة أحيانًا كي أكتب أو أنجز مهمّة عمل، وأحيانًا أرسله كي أستطيع تناول إفطاري بهدوء والاستلقاء على الكنبة من دون أن أضطر إلى النهوض كل خمس دقائق، وهذا لا يقلّ أهمية عن ذاك. ثمّ إنّ كلمة الإنجاز نفسها تكتسب تعريفًا جديدًا حين تصبحين أمًا. بالنسبة إليّ، كلّ يوم ينتهي وطفلاي بخير هو إنجاز بحدّ ذاته!
لكنّك إن كنت مترددة في مسألة الحضانة وأنت أمّ لطفل واحد، فقد تجدين القرار أسهل حين تصبحين أمًّا لطفلين - وهذا شيء آخر لم أعتقد أنني سأفعله في حياتي، أن أنجب طفلين خلال عامين، لكنني أيضًا لم أخطط أن أنجب أوّل طفل لي بعد الثامنة والثلاثين، لذلك لم يكن لديّ وقت كثير للتفكير، فقد كان الرقم “أربعين” يقف أمامي كمذيع برنامج مسابقات يخيّرني بين الاستمرار في المنافسة أو الخروج والاكتفاء بما ربحت، وفي نفس الوقت ينبّهني إلى أنّ الاستمرار يحمل معه مخاطر ومخاوف لا تخفى على فطنتكم.
لكنّها ليست مسابقة، بل هي تجربة ستعيدينها بكلّ ما فيها من تعب وقلق، فالسؤال هو: لو كنت مكاني، تدقّين أبواب الأربعين وتجرّين في ذيلك طفلًا عمره عام ونصف، هل ستعيدين التجربة؟




شكرا جزيلا على نشر السلسلة توعوية و ناقدة و ممتعة بنفس الوقت ، استمتع كثيرا عند قراءتها و تعلمني عن الحياة بشكل عام و ليس فقط عن الامومة ♡