اهتديت، متأخرةً، إلى أغنية الفنان المصري أمير عيد ”أنا نجم“، فوجدتها تخاطب الجانب النرجسي مني، الذي يؤمن بأنني بالفعل ”نجمة“ (والادعاء له) ويلوم المكان والظروف وكل ما يمكن لومه. بيد أنني لا أتحدث هنا عن نفسي فقط، بل عن عددٍ لا بأس به من الناس الذين يملكون أفكارًا وتجارب تستحق أن تبصر النور، ولكنها تظل حبيسة الأدراج، أو ربما الأذهان فلم تصل بعد إلى مرحلة الأدراج.
يقول عيد في الأغنية ”كل ما أخذ خطوة أرجع اثنين“ و”أنا شاب لكن من جوا عجوز“، و”عندي جناحات بس محبوس“ إلى آخر العبارات التي تؤكد على المغزى ذاته: قدرات بلا طائل. إذا ما تواضعت قليلًا، سأقول أنني لست “نجمة” ولكنني أؤمن بإمكانياتي وأقع في غرام أفكاري، حتى وأنا أعي أن هذا الغرام قد يكون مضرًا لي ولها، فما الذي يحدث على الطريق؟ أعود أنا خطوتين إلى الوراء، لجملة من الأسباب التي ترتبط بشخصي وبظروفي، وأخرى ترتبط بزمنٍ لم يعُد يتسع لمن يفكر بطريقتي، وأنا هنا بصدد الفضفضة، لا إيجاد الحلول، أو لوم أي طرف.
تخطر الفكرة ببالي، تلاحقني، فأحجز لها مكانًا في خزان الأفكار، ومن ثم أفكر: هل هي مقالة؟ قصة؟ فيلم؟ سلسلة؟ كتاب؟ ثم أضع لها خطة، وأفكر في جهة قد تكون مهتمة. أراسل الجهة، فأتلقى ردًا في بعض الأحيان ولا أتلقى أي رد في أحيانٍ أخرى، أو يأتيني الرد متأخرًا جدًا، أو ينتهي التمويل، أو أتحدَّث إلى عددٍ هائلٍ من المحبطين في المجال ذاته فنطبطب على بعضنا، ونمضي في طريقنا.
تلاحقني الفكرة مرة أخرى، فأضع لها خطة جديدة، ثم أقسم بأنني سأعمل عليها حين لا أكون قلقة بشأن مصدر الدخل، فمن غير المنطقي أن أخصص وقتًا كبيرًا للبحث والكتابة حول فكرة لا أعلم إن كنت سأُنفِّذها في وقتٍ أفضّل فيه التخطيط لتقاعدي، الذي يبدو أنني نسيته بالكامل حين كنت في أوج شبابي أنتقل من مهمة إلى أخرى، ومن بلدٍ إلى آخر، ومن تجربة إلى أخرى.
بالطبع لا أندم على أي منها، ولكنني نسيت التخطيط للمستقبل، وهذه حقيقة. طيّب، جاء مصدر الدخل، أنشغل بأداء مهامه، فتظل الفكرة على الرف حتى أنتهي من هذه المهمة ثقيلة الظل. نعم، هي ذاتها التي انتظرتها لتريحني من القلق المادي. ثم تحاصرني مرة أخرى، فأقسم أنني سأستيقظ قبل ابني، وسوف أواصل العمل حين يكون في حضانته. لحظة، يبدو أنني تناسيت أمر سنة اكتساب المناعة، فها هو يعاني من مرضٍ ما، ولن يذهب إلى الحضانة، ولا بد للفكرة أن تنتظر حتى يتعافى. عاد إلى الحضانة، تعالوا نبدأ. ها هي قائمة بالمنح، التي تحتاج إلى كتابة عشرين صفحة من المشروع قبل التقدم، فأجدني أفكّر في سري ”يا ترى لو عندي وقت أكتب العشرين صفحة، كنت قدمت على المنحة؟“
لا بأس. من الممكن أن آخذ أفكاري هذه إلى وظيفة تدفع لي مقابل العمل عليها، كمن يُزوِّج ابنته ليرتاح من مصاريفها، فلأبحث لأفكاري عن عريسٍ مناسب. ولمَ لا؟ فالإنترنت مليئ بالفرص المُخصَّصة لكتاب المحتوى (مع تحفظي على الوصف)، الذين يلعبون بالكلمات. أفتح الأوصاف الوظيفية، فأجدهم يبحثون عمّن يلعب بمئة كلمة في الثانية الواحدة، بينما أنا أفكر فيها لمدة أطول بالتأكيد، وقد أمضي أيامًا وشهورًا أدوّن الملاحظات. فكرت في كتابة هذه المقالة، التي تقرؤونها الآن، وهي في غاية البساطة، عشرات المرات أثناء قيادة السيارة وسماع الأغنية وكتبتها بعد أن صفا ذهني تمامًا، وتأكدت ممّا أريد قوله ألف مرة. هم يريدون من يتابع “الترند” ويعرف المؤثرين، وأنا بالكاد أمسك بهاتفي، وأسمع بالأخبار بعد حدوثها بأيام حتى بات من السخافة أن أفكر بتشكيل موقفٍ منها بالأساس.
هكذا أعيش، بين الحين والآخر، في تناغمٍ تام مع أمير عيد، معتقدةً بأنني، أنا أيضًا، ”نجمة بس ما فيش سما“.
هوب.. يدخل الذكاء الاصطناعي إلى المشهد
كتبت قبل ذلك عن مهنة الترجمة، التي خشي المترجمون من اندثارها بعد تمكُّن الذكاء الاصطناعي منها. وبحسب إحصائية غير رسمية أجريتها من مكتبي المنزلي، أعرف أن غالبية المترجمين الذين أعرفهم لم يعودوا يعملون كما في السابق.
قلت، سابقًا، بأنه لا مشكلة لدي من أن يأخذ مني هذا الذكاء مهنة الترجمة، فلست من هواتها ولم أكُن لأخصص لها وقتًا إلا لأنها تُدر دخلًا أعلى من الكتابة. واليوم، لم يعد سرًا أن الجميع يلجأ إلى الآلة لتترجم النسخة الأولى مشكورةً، ونكاد لا نصدق أننا كنا، في زمنٍ قديم، نترجم كل كلمة في السابق بأنفسنا، ومن ثم نُحرّر كل شيء مرة أخرى. والأنكى من ذلك، أننا كنا، في بعض الأحيان، نترجم ملفات تحتوي على تكرارات كثيرة فنضطر إلى النسخ واللصق، وكلها مهارات لم نعُد بحاجة إليها، ولله الحمد.
خلاصة القول أن الآلة سهَّلت عليّ مهنة الترجمة، هذا إن توفرت بالأساس، ولكن ماذا عن الكتابة؟ شخصيًا، كثيرًا ما أنصح الناس بالابتعاد عن الآلة عند الكتابة، وذلك لاعتقادي الراسخ بأن متعة الكتابة تكمن في العصف الذهني وتنظيم الأفكار، وإذا ما سلَّمنا هذه المهام للآلة، فستفقد الكتابة جزءًا كبيرًا من معناها. لم أستخدم في حياتي أي نسخة كتبها الذكاء الاصطناعي، ولكنني قررت، من باب الفضول لا أكثر، أن أطلب منه كتابة أفكار مستوحاة من مقابلة كنت قد أجريتها، ربما لأثبت لنفسي أنني أفضل منه بالطبع.
تمامًا كما حدث في اختبار الترجمة السابق، وجدت أن كل الاقتراحات هي بالضبط ما كان يدور ببالي. الخبطة الأولى، لست نجمًا ولا ما يحزنون. طيّب، تعال اكتب لي مسودة. أكاد أجزم أنها ستكون تعيسة، تفوح منها رائحة الذكاء الاصطناعي، فجاءت الخبطة الثانية، وكانت الرائحة تفوح بالفعل ولكنها ليست سيئة كما كنت أتمنى.
ما زلت أؤمن بأن الكتابة البشرية تتفوق على أي شيء، ولكنه أمر محبط للغاية حين تشعر بأن المهارة الوحيدة التي اعتقدت أنك تملكها أصبحت لا شيء، أو هي في طريقها إلى الاندثار. المشكلة، في هذه الحالة، أنه لن يأخذ مني ومن غيري مجرد وظيفة، بل يسلب مني الغاية. أنا لا أكتب لأكسب المال، فالمال ضروري للاستمرارية ولا أجادل في ذلك، ولكنني أكتب لأنها الطريقة الوحيدة التي أختبر فيها الحياة.
أعي بأن الكتابة البشرية لن تموت، وربما لن يكترث الكاتب الحقيقي بكل هذه التطورات، فسيظلّ يكتب لأنها حاجة شخصية ملحة قبل أي شيءٍ آخر، ولكن هذا الإدراك مُحبط بالفعل مهما حاولت أن تتجاهله.



أحييك على جملة فلأبحث لأفكار عن عريس مناسب
الذكاء الاصطناعي في مكان متقدم جداً والإنسان لا زال عقله وتطوره عند مرحلة رجل الكهف، تطورنا مش متسق مع التكنولوجيا التي نطورها