(١) اللعب مع الكبار
في صالة توت عنخ آمون بالمتحف المصري الجديد، لم يلفت نظري قدر الترتيب الزمني المصوّر لاكتشاف المقبرة.
مسلسل صور زمني تحت مسمى "المساهمات الأجنبية" ثم "المساهمات المصرية"، شعرت نحوه بقمة الاستفزاز وأنا أرى صورة لمجموعة من الرجال البيض على طاولة مزيّنة وجاهزة لوجبة غداء أو عشاء، وفي الخلفية خادمان مصريان عند مدخل مقبرة مصرية. لم أرَ الصورة كإنجاز، بل بالعكس رأيت سرقة، رأيت عنصرية، ورأيت عنجهية، ولم يشفِ غليلي سوى رؤية صورة الطفل المصري (وقتها) حسين عبدالرسول، الذي تعثّرت قدمه في أول سلّم في المقبرة فكان سبباً في اكتشافها. كأن التاريخ لن يسمح إلا لمصري باكتشاف واحدة من أهم مقابر الملوك.
لحظة فارقة، قدم حسين عبدالرسول تكتشف المقبرة. لحظة ربما كان فيها يلعب أو يقوم بمهام يومه العادي، اكتشف بها ما لا يعلم قدره إلا الكبار.
تأملت كثيراً: كم من لحظة فارقة على يد شخص بسيط سبّبت فارقاً كبيراً! ليس على قدر اكتشاف مقبرة فرعونية بالطبع، ولكن ربما لاكتشاف وتعزيز حالة يمر بها الوطن بكامله، يجتمع فيها الناس على قلب رجل واحد، يتذوّق العالم نوع فنٍّ اكتشفه وقدّمه لنا فنان أو كاتب ربما لاحظ، ربما كتب، ربما أبدع واكتشف.
عدت من زيارتي للمتحف المصري وشاهدت فيلماً مصرياً قديماً. لديّ عادة مؤخراً بإعادة مشاهدة الأفلام المصرية المهمة للكتّاب والمخرجين الكبار كوحيد حامد وعاطف الطيب ومحمد خان وغيرهم. كان اختيار ذلك اليوم فيلم "اللعب مع الكبار"، حيث نسج المبدع وحيد حامد شخصية حسن بهلول، رجل لا يشبه الأبطال الخارقين ولكنه يقوم بأعمال خارقة لحماية القيم الباقية بداخله رغم كل الخسائر والإحباطات. وبرغم أحلامه المؤجلة، يركّز الكاتب على علاقته الإنسانية بصديقه علي الزهار الذي يشاركه تلك الأحلام رغم كل الظروف. خلطة أفهمها جيداً: هذا التناقض بين الاحتياج والعطاء، وكيف أنهما اتفقا على أن يحققا خططهما السرية لحماية الوطن بالتعاون مع ضابط مهم في الداخلية. فكرة تبدو مجنونة، لكنها توضّح كيف تصبح الأحلام حقيقة في يد البسطاء.
أرى ما بين حسين عبدالرسول وحسن بهلول علاقة قوية عبر الزمن والتاريخ، علاقة الأمل الذي صُنع على يد صغير يحبه الوطن، وكبير يحب هو الوطن رغم خذلانه له. كلاهما أُحيطا بقوة أعظم وأكبر، ووجدا طريقاً للنجاة من خلالها، واستمرّا في الحلم وتوريث الحلم لنا، كما قالها عادل إمام (حسن بهلول) في آخر مشهد بكل الألم: "أنا هحلم.. هحلم.. هحلم".
٢ — الكتابة والموت
في خلال محاضرة لـ"مدى مصر"، تناول الكاتب الشاب محمد الحاج فكرة شيّقة للغاية، وهي علاقة الكتابة بالموت. لا أتذكر جيداً لمن كان يستند، لكنني أتذكر ما دار في خلدي حين سمعت هذه الفكرة، لأنني لم أفكر من قبل في أننا نكتب عن الموت، عمّن رحلوا، ونكتب كثيراً عن مشاعرنا تجاه شيء لا يعلم أيٌّ منا عنه شيئاً.
الموت هو الشيء الوحيد الذي لم يختبره كاتب قط، لذلك نكتب عنه كالمجهول، أحياناً بهدوء وأحياناً بغضب حسب الحالة. فكرت قليلاً: ماذا لو كتبت رسالة إلى الموت؟ ماذا ستكون؟ ربما:
"عزيزي الموت، أينما كان موعدك كما قدّره الله، اعلم أنها خطوات. معرفتي بك طيبة، تحمل أحبّةً لي في عالمك الذي لا نعلم عنه شيئاً، في برزخ يعلم الله وحده متى ينتهي. واعلم أنها مجموعة صدف تقودني إليك، وإلى أن أصل أرجو الرحلة والرفقة الطيبة، ولحظاتٍ جميلة سعيدة كثيرة تكفيني."



