مشروع أم - الجزء الخامس - هرمونات وهواجس
"ثلاث لا يمكن إخفاؤهنّ: الحب، والحَبَل، وركوب الجمل."
- مثل شعبي
إذًا، لقد ثبتت الرؤية، وهلّت النتيجة الإيجابية التي يؤكّدها تخلّف ذات الرداء الأحمر عن زيارتها الشهرية، فأهلًا بك إلى الثلث الأول من الحمل، حيث التعب لا يرتبط بمرض أو مجهود، هو تعب مستقل بذاته يعيد تعريف كلّ ما تعرفينه عن التعب!
كان ذلك التعب أوّل علامة شعرت بها، لكنني لم أربطه بالحمل، بل افترضتُ أنه تعب السفر -حيث كنّا قد سافرنا إلى ولاية أخرى قبل أن أجري اختبار الحمل بأسبوع. وأزيدك على ذلك أننا سافرنا بالبحر، حفلة مدتها عشر ساعات من دوار البحر وهرمونات الحمل! ومع أننا لم نكن نبذل مجهودًا عظيمًا، فلا نحن تسلقنا الجبال ولا عبرنا الوديان مشيًا على الأقدام، إلّا أنني كنت أعود إلى الفندق بعد العصر لا تكاد قدماي تحملانني من شدة التعب، تعب لم أشعر بمثله في حياتي، وسيستمر هذا الشعور خلال الأشهر الثلاثة الأولى حتى بمجرد أن أستيقظ من النوم وقبل أن أقوم بأيّ نشاط.
طبعًا حين عدنا إلى البيت واستمر التعب نفسه بدأت شكوكي تزداد، والحقيقة أنني خلال الأسبوعين السابقين لذلك كنت أراقب كل شعور مختلف أحسّ به في جسمي، وكل ألم أو شدّ في ظهري أو بطني، وأمضي النهار والليل أبحث في الإنترنت عن علامات الحمل المبكرة وأعراض انغراس البويضة في بطانة الرحم، لذلك كان من الطبيعي ألّا أصبر كثيرًا قبل إجراء اختبار الحمل.
رغم كل تلك الشكوك والأمارات، أجريت الفحص وأشحت بنظري عنه فورًا، ورحت أتحضّر نفسيًا لرؤية نتيجة سلبية، وهذا طبيعي بعد أشهر من الإحباط وتوهّم رؤية خطّ ثانٍ فاتح جدًا وتصويره وإرساله إلى الصديقات على أمل أن يقلن إنهنّ يرينه أيضًا، وهو موجود في رأسي فقط.
لكنّ الأمر كان مختلفًا هذه المرة، وكان لديّ خطّان أزرقان يشهدان على ذلك. حتى حين ذهبت إلى الطبيبة لإجراء فحص دم يؤكّد الحمل شكّت أنّ الفحص خاطئ لأنّ الوقت كان مبكرًا، أو أنها لم ترد أن ترفع آمالي كثيرًا خشية أن يكون حملًا كيميائيًا، أي الحمل الذي ينزل قبل الأسبوع الخامس، وهو شائع جدًا، وكثيرًا ما يحدث قبل أن تدرك المرأة أنها حامل أصلًا فتظنّ أن ما تراه هو دم حيض.
لكن إن كان صبرك قليلًا وكنتِ ممّن يبدأن بإجراء اختبارات الحمل قبل موعد الدورة الشهرية بأسبوع، فقد تعرضين نفسك لصدمة فقْد في حال حدث ذلك، لا سمح الله. أعرف كثيرًا من النساء اللاتي نزل حملهنّ في مرحلة مبكرة جدًا وكانت ردود فعلهنّ متباينة، فمنهنّ من تعاملن معه كأمر طبيعي شائع الحدوث، يشير إلى أنّ الجسم ليس مستعدًا لاستقبال جنين بعد أو إلى مشكلة محتملة في الجنين جعلت الجسم يرفضه، ومنهنّ من كان وقع الأمر عليها مزلزلًا كأنها فقدت جنينًا مكتملًا، وتسبب لها ذلك بصدمة جعلتها تعيش في رعب حقيقي من تكرر الأمر إن حملت من جديد. نعم، هو أمر شائع، والجنين الذي ينزل في هذه المرحلة لا يكون قد تكوّن بعد، لكن لا يمكنك أن تتوقع من كل النساء أن يأخذن الأمر ببساطة، فهذه امرأة رأت نفسها أمًا وارتسمت في مخيلتها صورة طفلها المنتظر، ثمّ وجدت نفسها قد خسرته قبل أن تراه أو تسمع نبضه. بل إنّ المرأة قد تشعر بمرارة الفقد بمجرد أن تحيض بينما تنتظر أن تتأخر دورتها الشهرية على أمل وجود طفل في أحشائها، فلا تتوقعْ منها أن تبتهج وتتعامل مع الأمر كوظيفة فيسيولوجية بحتة لمجرد أنك شرحت لها الجانب العلميّ للأمر.
على كل حال، عاد فحص الدم ليؤكّد وجود حمل فعلًا، بل إنّ الطبيبة شكّت أن يكون الحمل بتوأمين بسبب نسبة الهرمون العالية، ولم أكن أمانع ذلك أبدًا، بل كنت أتمنى أن أنجب توأمين مرة واحدة من باب "اللي عليك عليك"، بدل الحمل والإنجاب المتكرر. وكم حدث أن نظرتُ إلى عزيز وتخيّلتُ أنّ لدي اثنان منه في نفس العمر وقلت في نفسي: الحمد لله الذي يحمينا من أمنياتنا المتهوّرة! فيا لقصور العقل البشري وطيشه ومبالغته في تقدير قدرات صاحبه!
بعد أن تأكدنا أنّ هناك كيس حمل واحد فقط، كان علينا أن ننتظر بضعة أسابيع أخرى لنعرف جنس الجنين، فقررنا إجراء فحص الجينات لأنني لم أكن لأصبر حتى الشهر الخامس لأعرف إن كان ما في بطني ولدًا أم بنتًا، ولا أفهم كيف تصبر بعض النساء حتى الولادة لاكتشاف ذلك!
يمكن إجراء الفحص اعتبارًا من الأسبوع العاشر، وقد تأخرنا فيه حتى الأسبوع الثاني عشر لظروف معينة، لكني قبل ذلك بكثير أصبح لدي شبه يقين بأنني حامل بولد، وقلت لزوجي أن يتحضّر نفسيًا لمعرفتي بأنه يريد بنتًا، لكنّ إحساس الأمّ لديّ يقول غير ذلك. سأكتشف فيما بعد أنّه لم يكن إحساس الأمّ ولا الأخت، بل رغبة لاواعية لديّ في أن يكون المولود ولدًا ترجمها عقلي على أنها حدس وإحساس. أمّا كيف أدركتُ ذلك، فتلك قصة ستأتي في وقتها.
خلال ذلك الوقت كان الحمل قد بدأ يعلن عن نفسه بطرق مختلفة. في الوضع الطبيعي، حين يشعر الإنسان بأوجاع أو دوخة أو أعراض غريبة يكون ذلك مؤشرًا على وجود مشكلة ما، أمّا في الحمل، فالعكس صحيح أيضًا، إذ تكون تلك الأوجاع والمنغصات إشارات إيجابية تشير إلى أنّ الحمل ثابت ويسير كما يجب.
للأمانة، وكي لا تقولي إنّي كذبت عليك إن لم تشعري خلال حملك بأيّ من الأعراض التي ذكرتها أو سأذكرها، فالقاعدة تقول إنّ كل امرأة مختلفة عن غيرها، بل إنّ كل حمل مختلف عن غيره، فليس بالضرورة أن تهرع المرأة للتقيؤ في المغسلة كي تكتشف أنها حامل -كما يحدث في كلّ مسلسل عربي من التسعينيات تقريبًا- بل إنّ بعض النساء بالكاد يشعرن بأيّ أعراض خلال الفترة الأولى من الحمل، وهذا أيضًا طبيعي. الغثيان والتقيؤ والإرهاق أمور طبيعية وتدل على حمل صحي، وعدم الشعور بأي أعراض أيضًا أمر طبيعي ويدل على حمل صحي!
باختصار، وكي توفري على نفسك الكثير من القلق والتفكير، تذكري هذه القاعدة العامة: كل ما يحدث لك وما تشعرين به خلال الحمل هو من أعراض الحمل. شعرك يتساقط، أسنانك تتساقط، جلدك يتساقط... لن تذهبي إلى طبيبك بشكوى إلّا وسيقول لك إنها بسبب الحمل، وإن لم تصدقيه فستجدين عددًا كافيًا من النساء على الإنترنت يؤكدن كلامه ويشاركنك تلك الأعراض. أنا مثلًا تفاجأتُ بأنني في الشهور الأخيرة من الحمل أصبت بمتلازمة النفق الرسغي، وهي متلازمة تصيب عادة الكتّاب والمترجمين ومن يستخدمون أصابعهم للطباعة بكثرة، لكنني لم أسمع من قبل بأيّ امرأة أصيبت بها أثناء الحمل. حوالي عشرين سنة من الكتابة والترجمة لم تصبني بمتلازمة النفق الرسغي، ونجح الحمل بذلك في أقل من تسعة أشهر!
لكنّ أغرب أعراض الحمل التي مررت بها كانت نفوري من وضع سمّاعات على أذني لسماع الكتب الصوتية، حتى ظننت أنّ ابني سيكون كارهًا للكتب والقراءة وعدوًا للثقافة، لكنّ ظني خاب والحمد لله، وأكبر دليل على ذلك أنني أحاول الآن الجلوس لكتابة هذه الكلمات بينما يجلس ابني بجانبي مطالبًا بأن أقرأ له كتابًا تلو الآخر. أصبحت أيضًا أنفر من قراءة الكتب الإنجليزية بالذات، بينما لم تكن لدي مشكلة في قراءة الكتب العربية، وحتى الآن لم أستطع إكمال الكتاب الذي بدأت قراءته في حملي الأول، وتكرر الأمر مع كتاب آخر خلال حملي الثاني، رغم أنّ كليهما كتابان ممتعان ويستحقان القراءة. إيه... على الأقل أنا نفرت من بعض الكتب فقط، أعرف امرأة أصابها نفور من زوجها أثناء الحمل لدرجة أنّها كانت حين تسمع صوت مفتاحه في قفل الباب حين يعود إلى البيت تهرع إلى الحمّام وتتقيأ فورًا، وهذا أيضًا طبيعي!
من الأشياء الغريبة الأخرى التي تحدث في الحمل اختلاف توقيت الأعراض، أي أنه قد تصيبك أعراض في الثلث الأول من الحمل تصيب النساء عادة في الثلث الأخير منه، أو هذه تجربتي على الأقل، فقد أصابني ألم يشبه الكهرباء على طول الساق، وحين سألت عرفت أنّ هذا يسمى "التزرير" ويحدث في الثلث الأخير من الحمل حين يكبر الجنين ويضغط على العمود الفقري، والغريب أنه حدث معي في بداية الحمل ولم يتكرر في آخره. باختصار، كل شيء في الحمل غريب وطبيعي في الوقت نفسه.
لكنّ أثر هرمونات الحمل وهواجسه عصيّ على الاختصار ولا يمكن تغطيته في مقالة واحدة، لذلك فللحديث بقية!




كملي هاي التحفة سريعًا من فضلك ما قادرة استنى🥹🥹🥹قلمكِ مُبدع❤️
مبروك الله يتمم حملك ويفرحك ب صديق عزيز الجديد ، اتمنى لكم حياة سعيدة ❤️