حب من النظرة الثانية
حين وضعوا طفلي سالم على صدري لأول مرة، رأيت زوجي دامع العين من فرط التأثر باللحظة بينما أنا ما أزال ألهث من فرط الألم. كنت قد رأيتُ في الأفلام أمّهاتٍ يعشقن أطفالهنّ من النظرة الأولى، وسمعتُ من صديقاتٍ لي أنّهن أحسسنَ في تلك اللحظات الأولى بتحوّلٍ داخليٍّ عميق وسعادةٍ لا متناهية. أما بالنسبة لي، كانت اللحظة مختلفة عمّا وصفنه، وسأحاول التعبير عن تلك المشاعر في كلمات على الرغم من صعوبة المهمة.
لم أشعر لا بالحب من أول نظرة ولا بالسعادة الغامرة، بل أحسست بالألفة المريحة، وكأنني أعرف سالم منذ زمنٍ بعيد وأن مكانه الطبيعي هو على صدري وفي حضني. ربما يكون هذا هو الإحساس ذاته، الذي شعرت به حين التقيت بزوجي بعد انتظارٍ طويل فغمرني شعور بالألفة يتفوق على الشعور بالحب، وكأن لسان حالي يقول”ها أنت قد عدت لي”.
بعدها بأسابيع، صارحت زوجي، الذي تقمَّص شخصية الأب وكان قادرًا على منح طفلنا الحب الخالص وكأنه قد حمّل “سوفت وير” الأبوة لحظة الولادة، بأنني لا أشعر بالحب تجاه طفلي، وإنما أشعر بالمسؤولية فقط. مع العلم أنّني حاولتُ اتباع نصائح الأصدقاء والأقارب بالاستمتاع بكل لحظة لأنّ الأطفال يكبرون سريعًا، إلا أنني لم أجد متعةً في الاستيقاظ المتكرر ليلًا، ولا في الجلوس لساعاتٍ في الغرفة نفسها في محاولة لإنجاح الرضاعة الطبيعية، ولا في تغيير الحفاضات والاستحمام المتكرّرين.
طمأنني زوجي وقال إن الأمر طبيعي، واقترح عليّ أن أحاول الاستسلام لشعور الحب في اللحظات التي لا ترهقني فيها المسؤولية، أي في لحظات السكون القليلة بين تغيير الحفاضات والاستحمام والرضاعة. حاولت، ولكن الحقيقة أن هذا الإحساس “بالحب الخالص” لم يتجلَّ إلا بعد أشهر، تجلى بوضوح، وإن كان بطيئًا.
شعرت بأولى هذه التجليات حين أخذت ابني لموعد طهوره. في ذلك اليوم، حاول زوجي التملص من الذهاب بحجة أن لديه اجتماع عمل مهم (أخبرني الطبيب لاحقًا أن أغلب الآباء لا يحبون التواجد في هذا الموعد بالذات). أصرَّ الطبيب على أن أفهم الإجراء بطريقة علمية قبل البدء به، ومن ثم باشر بالجراحة وهو يشرح لي كل ما يحدث خطوة بخطوة. رغم قسوة الموقف، تفاجأت بأنني لم أشيح بنظري اشمئزازًا أو تأثرًا بالألم.
ومن ثم اندلعت الحرب بين الكيان الصهيوني وإيران في حزيران من العام 2025، وكانت الصواريخ تمرّ صباحًا ومساءً فوق رؤوسنا في عمّان. أضحت الحرب قريبة منا أكثر من ذي قبل وأصبحنا نسمع صوت صفارات الإنذار كل ساعة تقريبًا. في تلك الأيام، انتابني إحساس عارم بضرورة أخذ الاحتياطات من أجل سالم، الطفل الرضيع الهادئ الذي لا يريد سوى اللعب وتوزيع الابتسامات طوال اليوم، ولكنه يبكي بشدة إذا ما تأخر طعامه حتى لو لدقائق معدودة. الحقيقة أن هذا البكاء كان يمزقنا أنا وزوجي، فنهرع لتحضير الحليب، ومن ثم يمزقنا الشعور بالذنب لأن الأطفال في مثل سنّه يموتون جوعًا بسبب إبادة لا تبعد عنا سوى كيلومترات قليلة. رغم أنني اشتريت ما يكفي من الحليب والماء المُعلَّب من باب الاحتياط، إلا أنني وددت لو كان بإمكاني أن أشتري كل علب الحليب في عمّان لكيلا يُحرم ابني منها أبدًا.
بعدها بأيام، وحين أتم طفلي شهره الثالث، جاءنا الطبيب بخبرٍ لم أسعد لسماعه، وهو أن طفلي يحتاج لعملية بسيطة في البطن لا تتجاوز مدتها 15 دقيقة. قال إن الأطباء سوف يجرون تدخلًا جراحيًا لإرخاء عضلة في معدته لمساعدته في هضم الحليب بشكلٍ أفضل.
لم يكن خبرًا متوقعًا بالطبع، وقد راودتني رغبة عارمة في الاستلقاء في سريري والانغماس في البكاء حتى أستوعب الخبر، ولكنني فوجئت بأنني رحت أحجز موعدًا تلو الآخر مع الأطباء للتأكد من ضرورة العملية واختيار أمهر الجراحين. وجدتني أبحث عن الحالة وأقرأ عنها بكثافة، حتى ظنّ أغلب الأطباء أنني ربما أكون طبيبة أو أعمل في مهنة مرتبطة بالقطاع الصحي بشكلٍ ما بينما أنا لا أمت لهذا القطاع بصلة. في يوم العملية، ارتديت الثوب المُعقَّم ورافقت رضيعي لطبيب التخدير، أجبت عن أسئلة سألها وأخرى لم يسألها. حين خرج من العمليات سالمًا، حمدت الله على هذه النعمة لأجد شعور الذنب يلاحقني مجددًا لأن الأطفال في مثل سنّه لا يجدون مستشفيات قادرة على تضميد جراحهم وسط إبادة لا تبعد عنا سوى نصف ساعة.
خمسة أشهر كانت كفيلة لأن أفهم أن الأمومة لا تحتمل التبسيط حتى وإن أرغمنا من حولنا على قول إجابة مُنمَّقة لسؤالهم البسيط: “كيف هو شعور الامومة؟”. في عالم الأمومة، فهمت أن المسؤولية حب والحب مسؤولية، وبينما كنت أعالج مشاكلي بالبعد عن المواجهة ذات يوم، فها أنا الآن أفتح عينّي وأشاهد كل شيء وأسأل الأسئلة الصعبة وأشد عودي وإن كنت أشعر برغبة في البكاء أو الاستسلام، فالاستسلام رفاهية لا تمتلكها الأمهات. والواقع ما حال بيني وبين أمهات يشبهنني كثيراً اضطررن لممارسة أمومتهن ومسؤوليتهن تحت القصف المتواصل والخوف والجوع هو الحظ، ولا شيء آخر غيره!




تسنيم يا تسنيم وجدت نفسي "ميْ الأم" في الكثير من تفاصيل هذا النص. شكراً لمشاركتنا هذه المشاعر الصادقة، فنحن الأمهات بحاجة الى صورة واقعية تعكس واقعنا ال"مش رومنسي" كما تصورنا الأفلام.