مشروع أم-الجزء العاشر: سر الليلة الثانية
الأمر ساحر حين تفكرين فيه. تكونين شخصًا واحدًا، بهوية أحوال مدنية واحدة وجواز سفر واحد، بداخلك جنين لكنّه جزء منك، يعتمد على الدم الذي يضخّه قلبك والأكسجين الذي تصفّيه رئتيك، تأخذينه معك حيثما شئت دون أن يسأله أحد عن تأشيرة سفر أو شهادة تطعيم. ثم تدخلين إلى غرفة الولادة فيخرج منك شخص منفصل، مواطن معترف به له شهادة ميلاد وسجلّ في الأحوال المدنية ويحتاج إلى جواز سفر وتأشيرة وربما إذن من وليّ الأمر للسفر إلى أيّ مكان، يتنفس بنفسه ويتغذى عن طريق فمه -لا سّرته- ويعتمد على أعضائه الخاصة اعتمادًا كاملًا. كائن مستقل بذاته... إلى حدّ ما.
كان بودّي أن أجرّب شعور الخفّة بعد الولادة الذي تتحدث عنه الأمهات اللاتي ولدن ولادة طبيعية، وراحة الاستلقاء والجلوس بأي وضع تريدين بعد أشهر من افتقاد هذه النعمة، لكنّ الوضع يكون مختلفًا بعد ولادة قيصرية1*. رغم ذلك، مرّ اليوم الأول بسلاسة لم أتوقعها، فلم أعانِ من الآلام المبرحة التي سمعتُ عنها من نساء أخريات ولدن بعمليات قيصرية، حتى بعد زوال تأثير التخدير النصفي، بل إنني كنت أرفض أخذ المسكنات التي تجلبها لي الممرضات إذ لم أشعر بحاجة إليها، لكنّهنّ طلبنَ مني أخذها بأي حال لأنّ لها وظائف أخرى غير تخفيف الألم، وهذا ما اكتشفته لاحقًا بعد أن عدت إلى البيت وبدأ غياب الألم ينسيني أحيانًا أنني خارجة من عملية جراحية وعليّ مراعاة نفسي وضبط نشاطي وحركاتي، فسبحان من خلق الألم لسبب وحكمة!
ومن رحمة الله أنني لم أعانِ من آلام ما بعد الجراحة، إذ كانت هناك صنوف أخرى من المعاناة بالانتظار، لكن ليس في اليوم الأول. اليوم الأول سار مثل السكّين في الحلاوة. لم يكن مطلوبًا مني أيّ شيء غير إرضاع الطفل أو ضمّه إلى صدري. مسحوه من آثار الولادة دون أن يحمّموه، وفهمتُ أنّ هذا أفضل لصحّته وكي يستفيد من الميكروبات النافعة العالقة به بأكبر قدر ممكن. تركوه من دون ملابس، لفّوه بقماط فقط، من باب أنّ التلامس الجسدي مع الأمّ يعزز الرابط بينهما ويحفّز نزول الحليب. ومع أنّه لم يكن هناك أيّ حليب فعليًا، إلّا أنّ ذلك لم يزعج عزيز الذي كان نائمًا معظم الوقت.
ولمّا رأيت الوضع هكذا، أصررت على أن يبقى عزيز معي في الغرفة، رغم اقتراح الممرضات عليّ أن يأخذوه إلى الحضانة ليلًا كي أستطيع النوم قليلًا، وهو خيار لا يتوفر دائمًا، فالسياسة في مستشفيات الولادة هنا هي أن يبقى الطفل مع أمّه في الغرفة طوال الوقت، إلّا في المستشفيات الخاصة التي توفّر خدمة حضانة ليلية. هذا شيء يثير استياء النساء اللاتي جرّبن الولادة من قبل في بلاد مثل الأردن أو بعض دول الخليج، حيث تأخذ الممرضات الطفل إلى الحضانة ولا يجلبنه للأمّ إلا من أجل الرضاعة أو حين تطلبه، وهي قمّة الدلع طبعًا، مع أنّ السبب الحقيقي على الأرجح هو أنّهم يخافون أن تهربي بالطفل قبل دفع حساب المستشفى، وفي بعض الأماكن يكون الهدف هو الحيلولة دون اختطاف الأطفال أو تبديلهم. في المحصّلة، أماكن قليلة تعطيك خيارًا في الأمر، وفي غالب الأحيان تفرض المستشفى سياستها عليك بغض النظر عمّا تفضّلين فعله شخصيًا.
وقد كنت محظوظة بأن توفّر لي ذلك الخيار، ومع ذلك قررت رفضه، إذ كنت أمًّا جديدة بهرمونات فائرة وهواجس مستمرة بأنّ غياب طفلي عن عينَي يعني أنّه سيُخطف أو يستبدلون به طفلا آخر، كأنني ولدتُه في زقاق مظلم في مومباي وليس في مستشفى محترم. تمسّكتُ بالرفض تحت تأثير الفيلم الهندي في رأسي، إلى أن تمكّن التعب مني ومن زوجي وأدركتُ أننا لن ننام ما دام عزيز في الغرفة، فحتى لو لم يكن يحتاج إلى الرضاعة أو تغيير الحفاض، كنّا متنبّهين لأيّ حركة يقوم بها، وكلّ صوت يصدر منه. وحتى خلال الساعات التي قضاها في الحضانة، أصابني الأرق من التفكير فيه والاشتياق إليه، وبالكاد نمت بضع ساعات، ولا حاجة للقول إنني ندمتُ على ذلك حين أعادوه لي في السادسة صباحًا، موعد إغلاق الحضانة الليلية.
سار النهار التالي بشكل جيد أيضًا، بل أفضل من الأول، لا سيما بعد أن استحممتُ وانتعشتُ وارتديتُ ملابس نظيفة وأصبح بإمكاني النهوض من السرير والتحرّك بشكل محدود -على الأقل أصبح بإمكاني تلبية نداء الطبيعة دون الحاجة إلى أنبوب القسطرة. ولاحظي أنني قلت “النهار التالي” وليس اليوم كلّه، فالليل كان له شأن آخر!
كان زوجي قد نام في الليلة السابقة على صوفا بجانب سريري كادت تقصم ظهره، لأنهم لم ينقلونا إلى غرفة بسرير كبير بعد. ولمّا قالوا لنا إنهم لن يستطيعوا نقلنا حتى اليوم التالي، قلتُ له أن يذهب لقضاء الليلة في البيت ويعود في الصباح الباكر، فالوضع مستقر والبحر هادئ والرياح تجري بما تشتهي السفن، وإن احتجتُ إلى شيء في الليل فالممرضات موجودات على مدار الساعة.
وما كنت أدري بأنّ الجو سينعكس، والموج سيرتفع، والريح ستعصف وتقلب السفينة بي!
بعد أن غادر إبراهيم بقليل بدأ عزيز يبكي، فناولتني إياه الممرضة لأقوم بإرضاعه. كان ذلك بين الساعة التاسعة والعاشرة ليلًا، وبعد أربع ساعات تقريبًا كنت أجرّ سريره أمامي في أروقة المستشفى طالبة النجدة!
لا داعي للخوف، لم يحدث شيء خطير، بل لم يحدث شيء على الإطلاق. فكلّ ما فعلته خلال تلك الساعات الأربع كان محاولة إرضاع عزيز، متوقّعة أن يعود للنوم كالعادة. لكنّه لم ينم، وكلّما أزحته عن صدري كان يبكي بشكل هستيري، فبعد ثلاثين ساعة من الولادة لم يأكل فيها شيئًا كان واضحًا أنّ الجوع تمكّن منه أخيرًا، بينما كان التعب قد تمكّن مني إذ لم أنم خلال ذلك الوقت إلّا ثلاث أو أربع ساعات، بل كنت إذا أغمضتُ عينَي أدخل في حالة تشبه الهلوسة بين الحلم واليقظة.
كنت مصرّة على عدم إعطائه حليبًا صناعيًا، ابني سيرضع رضاعة طبيعية فقط، متّبعة نصيحة “خبيرات الرضاعة” على الإنستغرام بألّا أسمح للممرضات في المستشفى بإعطائه حليبًا صناعيًا تحت أيّ ظرف، حيث أكّدن لي بشكل قاطع إنّ حليبي سيكفيه. لكن بعد أربع ساعات من محاولات الرضاعة الفاشلة وانتظار الحليب الذي لم يأتِ، وحين بدأت أشعر بأنني سأفقد وعيي من التعب ورأيتُ نظرة الحرقة على وجه عزيز الذي لا يفهم هذا الشعور المؤلم في معدته ولماذا لا تفعل أمّه شيئًا لإسكاته، قلتُ لنفسي: طيّب، الحليب الصناعي مرفوض، لكنّ الولد جائع... ماذا يُفترض به أن يفعل، يقوم ليقلي بيضتين أم يطلب بيتزا ديليفري؟ ما البديل في حالة عدم نزول حليب الأمّ لأيام؟ في الماضي، كانت الأمّ إن لم تستطع إرضاع طفلها تعطيه لقريبة أو جارة لها كي ترضعه، من أين أجد له مرضعة الآن؟
وهكذا، وتحت تأثير التعب وصراخ عزيز الذي لم يتوقّف، جررتُ سريره أمامي وذهبت ببيجامتي وشعري الأشعث إلى الحضانة مستغيثة بالممرضات كي يعطينه ما يسكت جوعه. قالت لي الممرضة المسؤولة إنّ عليّ أولًّا توقيع ورقة تصرّح لهم بذلك، فقلت لها إنني مستعدة للتوقيع على أي شيء، بل إنني في تلك اللحظة كنت مستعدة لتوقيع شيكات على بياض، أي شيء كي أستطيع أن أنام.
حين جاءت الممرضة لتفقدي في الصباح حكيت لها ما حدث، وعبّرتُ عن ندمي على ترك زوجي يغادر تلك الليلة، فقالت لي كما لو كانت تعطيني معلومة بديهية: “ألم يقل لك أحد إنّ الليلة الثانية هي أصعب ليلة؟”
لا والله يا أختي لم يخبرني أحد، ولم نسمع بهذا في آبائنا الأولين. وكيف سيخطر ذلك ببالي أصلًا؟ الليلة الأولى من كل شيء هي التي تحمل الغموض والمفاجآت عادة، الثانية والثالثة والرابعة مجرد أرقام!
وهكذا عزيزتي القارئة أكون قد ارتكبت ثاني الموبقات في كتاب خبيرات الإنستغرام بأن أعطيت ابني حليبًا صناعيًا بدل أن أتركه يصرخ من الجوع حتى الصباح كما يجدر بأمّ صالحة، والكلام في هذا يطول، فأذنوا لي بأن أتركه للمرة القادمة!




نَص راائع راائع تبارك الرحمن..
احب النصوص اللي تدخل شيء من التهكم والسخرية بحيث تكسر رتابة الرسمية.. نادر نلقى كاتب يتقن هالشي وإن وُجد فهو دلالة على الموهبة الفريدة