مشروع أم
في هذه السلسلة، أشارك تجربتي المستمرة في عالم الأمومة، التي لا أهدف بأي شكل إلى أن تكون دليل إرشادات أو كتيّب نصائح، فكما يقولون “كان القرد نفع نفسه”، وفهمكم كفاية. إنّما أكتبها وأشاركها لأغراض التوثيق والتنفيس، فهي وإن كانت تجربة شخصية، إلّا أنها عامرة بمشاهدات ومشاعر لن تكون غريبة عليكِ، وقد تكونين مررت بها بنفسك. قصة فتاة حلمت بالأمومة طويلًا، ثمّ زوجة سعت إليها، وأخيرًا أمّ.
أيًا كانت المرحلة التي أنت فيها الآن، أو المراحل التي مررت بها أو ستمرّين، أرجو أن تجدي في هذه السلسلة ما يعينك عليها، وما يرسم على وجهك ابتسامة العارفة ببواطن الأمور، فأحيانًا يكون كلّ ما نحتاج إليه كنساء هو شيء يؤكّد لنا الحقيقة التي نعرفها مسبقًا: أننا لسنا وحدنا.
عن الكاتبة | علا عليوات
مترجمة وكاتبة أردنية من مواليد ١٩٨٤. تخرجت من الجامعة الأردنية بتخصص اللغتين الإسبانية والإنجليزية عام ٢٠٠٦. نشرت لها رواية قبل السفر (٢٠١٢) ورصد (٢٠١٧) وسيصدر لها قريبا رواية للناشئة بعنوان لغز المكتبة. أم لطفلين ومقيمة في أستراليا منذ عام ٢٠٢٢.
(١)
يقولون إنّ كل امرأة تُولد أمًّا. يغضب هذا الكلام بعض النسويات، إذ يفترض وجود غريزة الأمومة بشكل فطري لدى كل امرأة لمجرد أنها وُلدت أنثى فيضعها في قالب قد تكون رافضة له. وقد يكون معهنّ حق في ذلك، فكلّ تعميم خاطئ كما اتفق الجمهور، لكنّه ولا شك ينطبق على كثير من النساء، أو بعضهنّ على الأقل، وأعرف ذلك وأقوله بثقة لأنني واحدة منهنّ.
جرّبوا أن تسألوا النساء حولكم عن اللحظة التي أدركن فيها أنهنّ يردن أن يصبحن أمّهات، ولا أعتقد أنكم ستحصلون على إجابات كثيرة. حين أفكّر في الأمر، لا تحضرني لحظة إدراك بعينها، بل أراني طفلة في الخامسة أضع بعض الماء في وعاء صغير وأحاول تلقيمه لابنة خالتي الصغيرة على أنّه طعام متخيّلة أنني أمّها، كأنّها رغبة تشكّلت مع تشكّل الوعي نفسه -إن لم تكن سابقة له. وحين أرى طفلة طولها شبر ونصف تدفع عربة صغيرة فيها دمية على شكل طفل، أو حين أتذكر كيف كانت ابنة أختي في صغرها تعشق لعبة اخترعتها تتقمص فيها دور الأم وتأمرني بتقمص دور ابنتها، أدرك أنني لست حالة متفرّدة خارجة عن نواميس الكون.
لكنني أفهم منبع الجدل حول كون الأمومة غريزة فطرية، فكامرأة تعتبر نفسها وُلدت أمًا قبل أن تدرك معنى الأمومة، يصعب عليّ تصوّر أنّ هناك امرأة لا يداعب حلم الأمومة خيالها، وأنّ هناك أشخاصًا يختارون عدم الإنجاب بملء إرادتهم، وأدرك تمامًا أنّ أولئك الأشخاص لا يفهمون لماذا قد ينجب شخص إنسانًا آخر يكون مسؤولًا منه ويصبح قيدًا عليه يغير مسار حياته إلى الأبد. لكن هذه طبيعة البشر، نحن نرى العالم بعين طباعنا ورغباتنا، وكل ما عداها أمر شاذ خارج على الطبيعة.
على كل حال، يمكننا ترك ذلك الجدل للفلاسفة وعلماء النفس والبيولوجيا. ما أعرفه يقينًا هو أنني كنت طفلة تحب الأطفال وتبتهج لأيّ مولود جديد في العائلة فيصبح محور حديثها حتى مع من لا يعرفونه، ولا أدري كيف سيكون شعور تلك الطفلة الأمّ ذات السنوات الخمس لو اطّلعَت على الغيب ورأت أنّ كثيرًا من الأطفال الذين كانت تلاعبهم سيصبحون آباء وأمهات قبلها، وأنها ستحمل أطفالهم كما حملتهم من قبل، أمّا هي فسيكون عليها الانتظار إلى ما بعد الثامنة والثلاثين لتجرّب شعور الأمومة بنفسها!
لكن الرغبة في الأمومة وحدها ليست كافية لتجعلك أمًّا، فمع تلك الرغبة الطاغية كان لدي نصيب وافر من النزعات الشخصية ومشاكل الثقة بالنفس التي تحول بيني وبين الدخول في علاقة تؤدي إلى ارتباط يعطيني فرصة لتحقيق ذلك الحلم. وحتى حين تتوفر الفرصة أكتشف أنني ما زلت أجد نفسي غير مستعدة لها، أو لا أجد في نفسي ميلًا للعريس المرتقب، أو غير ذلك من الأسباب التي ساهمت في تأخير الأمر لسنوات. ورغم توقي إلى الأمومة، إلّا أنني كنت أيضًا فتاة رومنسية حالمة، ولو كان مظهري وسلوكي يوحي بعكس ذلك، ولم تكن رغبتي في الأطفال منفصلة عن رغبتي في شريك حقيقي وعلاقة تقوم على الحب، رافضة أن أتحوّل إلى نسخة أخرى من نساء كثيرات يعشن في حالة انفصال عاطفي عن أزواجهنّ ويحاولن تعويض ذلك الحب المفقود من خلال أبنائهنّ.
لكنّ الخوف بدأ يجد طريقه إلى نفسي في أواخر العشرينيات، حين أدركتُ أنّ الزمن لا يأبه بمبرراتي المنطقية، ولا عدّاد العمر يتباطأ احترامًا لأعذاري المقنعة. طبعًا، كأيّ فتاة في مجتمع عربي، وحتى غير عربي، نشأتُ مع فكرة أنّ سن الثلاثين هو سن اليأس الحقيقي، العمر الذي تنتهي فيه آمالك ويصبح عليك تقديم التنازلات والرضا بأيّ شخص كي لا تُحرمي من سماع كلمة ماما إلى الأبد. للأمانة، لم يكن كلّ من حولي يحملون هذه الأفكار، لكنها كانت موجودة، خاصة في الدوائر العائلية. أذكر مثلًا حين قاربتُ الثلاثين أنّ إحداهنّ قالت أمامي صراحة إنّه لا أمل لي بالزواج إلّا من أرمل أو مطلق أو شخص يكبرني بعشرين عامًا مثلًا – لا أقول إنّ الزواج بشخص مطلق أو أرمل أمر معيب أو فيه مشكلة، لكنّه جزء من الصورة النمطية العامة عمّا يجعل الشخص أقل أهلية للزواج وأقرب لتقديم التنازلات. وحين كنت في الثالثة والثلاثين، جلبَتْ لي هي نفسها عريسًا في الأربعين لم يسبق له الزواج من قبل، وكانت فرِحة به كأنه معجزة لا تتكرر. وفي موقف آخر كنت فيه قد تعديت الثلاثين أيضًا، حكت لي إحدى قريباتي المتزوجات عن صديقة لها تزوجت في الثامنة والعشرين وأنجبت طفلين خلال بضع سنوات. حدّقتُ إليها بانتظار العبرة من القصّة، وإذا بها تعبّر عن تفاجئها بأنّه يمكن لفتاة أن تتزوج في أواخر العشرينيات ويكون لديها وقت لإنجاب أكثر من طفل، ولعلّها كانت تحاول رفع معنوياتي وإعطائي بصيص أمل بتقديم قصة نجاح مدهشة كهذه.
باختصار، كان بعض ممن حولي يرونني حالة ميؤوسًا منها، عانسًا جفّ رحمها وانقطع أملها في تكوين عائلة، ولم يكن البعض منهم يجد حرجًا في التعبير عن ذلك كأنه حقيقة واقعة لا خجل فيها. وهذه الأمور تجد طريقها إلى نفسك بشكل أو بآخر، مهما حاولت تجاهلها. ففي فترة ما، كانت هناك فكرة متداولة في دوائر صديقاتي غير المتزوجات بأن تجد الواحدة منّا شخصًا تتزوجه كي تنجب منه طفلًا، ولا يهم إن كانت تحبه أو ستكمل حياتها معه، على غرار فيلم نيللي كريم “بشتري راجل”. لكنني بمرور السنوات والتجارب لم تتعاظم رغبتي في الأمومة وحسب، بل زاد معها وعيي بأنني لا أريد أطفالًا من شخص لا يمكنني العيش معه، فكنت أطرح فكرة “الأب المستأجر” من باب المزاح أو الفضفضة، ولم تراودني بشكل جدي قطّ... حتى في الفيلم، انتهى الأمر بأن تقع نيللي كريم في الحب مع الشخص الذي تزوجته بغرض الإنجاب فقط!
ولعلّ ذلك كان قرارًا سليمًا، إذ أنّ الأمور أخذت منحى مختلفًا بعد الخامسة والثلاثين، فغريزة الأمومة نفسها بدأت بالانحسار لديّ. شعرت بذلك أول مرة حين كنا في زيارة عائلية لبعض معارفنا الذين رُزق ابنهم بمولود جديد. أذكر أنني نظرت إلى ذلك الطفل الجميل ولم أشعر بأي حسرة على أنني قد لا أرزق بمثله أبدًا. لم أشعر حتى بأنني أريد أن أحمله أو أشمّ شعره كما أفعل مع الأطفال عادة، لا فيض من الحنان ولا أي نوع من المشاعر. قد يبدو ذلك محزنًا، لكنّ ما شعرت به حقيقة هو الارتياح -راحة الاستسلام بعد سنوات من الخيبات المتكررة والتخبّط في دوّامات المشاعر المتلاحقة.
وهكذا، تصالحت مع فكرة قضاء ما تبقى من حياتي وحدي، وبدأت أضع خططًا على ذلك الأساس، بل بدأتْ الفكرة تبدو مغرية لي كشخص انطوائي في العموم. اشتريتُ حقيبة سفر صغيرة بهدف القيام برحلات منفردة إلى أماكن جديدة، ولم أكن قد سافرت وحدي من قبل إلى أيّ مكان، لكنني رأيتُ أنّ حياتي الجديدة ستتطلب الاعتياد على ذلك، فحجزتُ تذكرة طائرة منخفضة التكلفة إلى براغ مع إقامة في فندق بسعر مناسب لمدة ثلاثة أيام. تعمّدت أن يكون السفر خلال العيد، في محاولة للهرب من أجواء العيد العائلية التي بتُّ أشعر بأنه لا مكان لي فيها. لكن، مثل ملايين الخطط لملايين الناس في ذلك الوقت، لم يكن مقدّرًا لتلك الخطة أن تتم، إذ كان يُفترض أن أسافر في أواخر أيار 2020، وتاريخ الرحلة يغني عن ذكر أسباب إلغائها. لا سفر ولا عيد.
في اليوم الأول من 2020، وقبل أن أعرف ما تخبّئه الأقدار، ركبتُ سيارتي واتجهت إلى البحر الميت. دخلت استراحة عامة واستأجرت كرسيًا بخمسة وعشرين قرشًا وطلبت كأس شاي بنفس السعر. حملت الكرسي ووضعته في مواجهة البحر مباشرة حيث جلست بكامل ملابسي الثقيلة مستدفئة بشمس يناير، وأمواج البحر تتسلق جزمتي الشتوية غير المناسبة للمكان. فتحت دفترًا وكتبت فيه تاريخ اليوم. وثّقت شعوري بالرضا والتطلع إلى المستقبل أيًا كان شكله، ثم أغلقت الدفتر وقفلت عائدة إلى عمّان على أنغام “مدّاح القمر”، أغنيتي المعتمدة لطريق البحر الميت.
بعد ذلك بيومين تلقيت أول رسالة من إبراهيم، زوجي الحالي ووالد ابنَي عزيز وفارس.
—
الجزء الثاني في خلال أيام….




جميل جدا سرد عميق أترقب الجزء الثاني بلهفة ...💙
اشتقنا لكتاباتك علوش 😍 تمنين ما يخلص المقال