في الغربة، وبينما كنت أجلس في حديقةٍ عامة ممسكةً بكتاب، حطَّت حمامة على رأس تمثال قريب مني، بل وتبرَّزت فوقه أيضًا. لفت انتباهي ذلك التمثال، الذي كان يُصوِّر كلبًا، لا لأنه أثار لدي فكرة "الحياد" وحسب، بل لأنه اتسم بالشمولية من خلال مراعاته للحيوانات أيضًا. في تلك اللحظة بالذات، تداعت إلى ذهني ذكريات من رحلتي الأخيرة إلى مصر وتجوالي في شوارع القاهرة.
كثيرًا ما يسألني الناس، هنا حيث أقيم، عن طبيعة الحياة في القاهرة، فأقول دائمًا إنها مدينة مجنونة، فهي شاسعة المساحة، ومكتظَّة بالسكان، وتعاني من تلوثٍ كبير، لكنها تحمل مزيجًا من المرارة والحلاوة. إنها مدينة تتداخل فيها العصور والحقب التاريخية بسلاسة، بدءًا من التراث المصري القديم والعصرين القبطي والإسلامي ووصولًا إلى التاريخ الحديث، فهي مدينة تحتضن كل ذلك دفعةً واحدة.
هذه الإجابة، وكوني أجلس في حديقة عامة، دفعاني للتفكير في كيفية تشكّل ذكرياتي عن مدينتي من خلال أفقها العمراني ومساحاتها العامة، وكيف يؤثر علي التعرُّض يوميًا لما تُقدّمه من إرثٍ معماري ومعالم تاريخية.
كان تمثال الكلب، الموجود في الحديقة العامة، منحوتًا من الرخام ببراعة وجمال، وهو ما يجعله ملائمًا تمامًا لمكانٍ تُهيمن عليه الطبيعة، ويقصده الناس للتنزُّه مع كلابهم وإطلاق حريتها. استوقفني المشهد للحظات وتساءلت: متى كانت آخر مرة رأيت فيها تمثالًا لحيوان في القاهرة؟ هكذا تذكَّرت تمثال الرجل الذي يمتطي حصانًا (تمثال إبراهيم باشا) في ميدان الأوبرا، ورحت أستعرض في مخيلتي كل التماثيل التي اعتدت المرور بها أثناء قضاء حوائجي في القاهرة، فمررت بتمثال "طلعت حرب" القائم في وسط الميدان، والذي يُوجّه أنظارنا جميعًا نحو وجهة محددة، وتمثالي أسدي كوبري قصر النيل بهيبتهما، إلى جانب تماثيل أخرى كثيرة.
أدركت حينها حقيقة واحدة، وهي أن كل التماثيل المنتشرة في شوارع القاهرة تقريبًا تُجسِّد رجالًا فقط، وتُقام على قواعد ضخمة تفرض عليك/كِ وضعًا جسديًا معينًا يُجبرك/كِ على النظر للأعلى لتأملها، وكأننا نُشيد بها رغمًا عنا. ذات مرة، أخبرني أستاذي في العمارة أن ما يُميّز المعماري عن غيره من أصحاب المهن هو دوره "السياسي"، الذي لا ينطوي على الهيمنة أو السعي للسلطة، بل على وضع الاستراتيجيات ورسم ملامح مستقبل المدن -بل وحتى الدول- من خلال مبانيه، سعيًا نحو مستقبل أكثر إنسانية.
وبالطبع، دفعني ذلك للتفكير والتساؤل: كيف يُشكّل التخطيط والتصاميم والتراث المعماري تصوُّرِنا عن الجنسين في مجتمعنا؟ وكيف كان الحال ليكون لو أننا كنا محاطين أيضًا بتماثيل لشخصيات مثل حتشبسوت وهدى شعراوي ونوال السعداوي؟ هل كانت لتساعدنا في رسم صورة للمرأة المصرية التي نطمح إليها لا سيما وأن هذه التماثيل تفرض نفسها بوجودها المادي وتجبرنا على التفاعل البصري اليومي معها؟
يظلّ السؤال المُلحّ هو التالي: هل ننجح بالفعل في تحقيق ذلك؟ وهل نحن قادرون على إرساء تخطيط وتصاميم عمرانية تراعي الشمولية والعدالة بين الجنسين؟
—
عن الكاتبة:
نوارة الرملي هي مهندسة معمارية وفنانة بصرية مصرية مقيمة في فرنسا؛ وتتميز أعمالها -سواء كانت كتابات أو لوحات- بطابع يطرح التساؤلات ويسعى ببساطة للكشف عن الدوافع الكامنة وراء الأفكار، كما تشجع جمهورها من خلال فنها على طرح الأسئلة وتخيل الحلول.



