هل تعدّد الاهتمامات و الشّغف نعمة أم نقمة؟
الجزء الأول
عزيزي القارئ و القارئة، في هذا المقال، أتناول موضوع تعدّد الاهتمامات الذّي لطالما شغل بالي إلى أن قرّرت أن أفهم جوانبه و أفكّكها لأعتق نفسي من عبوديّة الجهل فيه إلى نور المعرفة. سأراوح بين تجربتي الشخصيّة و التفسير العلمي و أتمنّى أن تجد نفسك بين السّطور و أن يكون هذا المقال بلسما لشكوكك و متعة لفضولك.
حكايتي مع الهوايات بدأت حين كنت صغيرة. كانت عائلتي تقول أننّي “نفحاجيّة” كلمة بالعاميّة التونسيّة و تعني أنّ الشّخص يهتمّ بأمر ما لمدّة معيّنة ثمّ يتركه. أمّي كانت تقول لي أحيانا المثل الشّعبي الذي نتداوله في الكثير من الدّول العربيّة "٧ صنايع و البخت ضايع".
بالنسبة لي، لم أكن أرى الأمور بنفس الطّريقة.. فقط إستسلمت للفضول ثمّ تساءلت هل أنا بصدد إضاعة وقتي و تشتيت تفكيري و لكنّي توصّلت إلى إستنتاج بات يريح قلبي و عقلي.
و لكن بدءا ذي بدء، إليك عزيزي القارئ و القارئة كيف كانت رحلتي مع تعدد الاهتمامات (أو جزءا منها) حتّى تفهم وجهة نظري.
ففي الرّياضة مارست السباحة ثمّ كرة السّلة لكثرة مشاهدتي سلام دانك على سبايس تون.. ثمّ الجيدو لاّن أختي كانت تلعبه… و في السنوات الأخيرة مارست الملاكمة ثمّ انضميت لفريق كرة قدم و لعبت في دورة رسميّة للهواة في ألمانيا و أنا في سنّ ال٢٨ .. كما بدأت العدو و خضت أوّل نصف ماراثون في سنة ٢٠٢٢.
و في الموسيقى تعلّمت الكمنجة، ثمّ القيثارة.. ثمّ سجَلت بمعهد الموسيقى لأتعلّم المقامات العربيّة و أدركت أنّ ما يستهويني حقّا و الذّي بقي يتابعني هو الغناء.. فانضممت مؤخرا إلى كورال.
أحببت آلة التصوير منذ صغري و شغفي بها كبُر فلازلت أقضي ساعات في التصوير و أوّل استثمار لي كبيرا نوعا ما من مالي الخّاص كان حين كنت في سنّ ٢٣ و اشتريت كاميرا canon 70D و لازلت للتّو مولعة بالتّصوير و أحبّ الأفلام القصيرة و عالم الصّورة.. حتّى أنّني تطوّعت في ٢٠٢٠ لأشارك في تنظيم مهرجان قرطاج السينمائي الدّولي .
أمّا في عالم الصّوت فحين كنت في سنّ التاسعة و العاشرة، كنت أسجّل في غرفة أختي الكبيرة - حيث يقبع الحاسوب ( طبعا الأخوات الكبار يستحوذون على كلّ ماهو جديد 😅) - أسجّل برنامجا إذاعيّا خاصّا بي أو هكذا زعمت في مخيّلتي و كنت أتعلّم من سماع المذيعين كيّفية إدارة الحوار و أحاول تطبيق نفس النّبرات و الكلمات مع أمّي و أخواتي، بدأ هذا الفضول في الصّغر و كبر معي حتى أصبحت أنتج بودكاست خاصَا بي منذ ٥ أعوام ثمّ صار البودكاست جزءا من عملي اليومي القار في الشركة حيث أشتغل.
و عن الكتب و الاهتمامات فيما أقرأ فحدّث و لا حرج، قد أقرأ شعرا أو رواية و أحيانا أخرى كتابا عن النفس البشريّة أو ذو صبغة تاريخيّة أو سياسيّة… و مؤخّرا كثر إهتمامي بالمسائل العقائديّة و التوحيديّة فصرت أحبّذ القراءة و مشاهدة الوثائقيّات في هذا الصّدد… و ها أنا أكتب لكم في على سفر إذ أنّ الكتابة كانت و لازالت جزءا منّي و حلما جررته جرّا منذ التّاسعة من عمري.
هل تشوّش دماغك حتَى الآن؟
طيّب، خلّينا كما قال مرسي الزّنادي في مدرسة المشاغبين نمشي “وحدة. وحدة”.
و لكي نفسّر الأمور ببطء، علينا أن نطرح الأسئلة قبل الغوص في الإجابات.
من أين يأتي تعدّد الشغف؟
علم النفس يرى أن متعددي الشغف لديهم فضول معرفي مرتفع و إقبال على التّجارب الجديدة أو ما يعرف بالانقليزّية بِ (High Openness to Experience) وهو أحد أبعاد الشخصية الخمسة الكبرى (Big Five) و هذا امر أؤكّده من خلال نتائج اختبار الشخصيّة ال big 5 الذي قمت به إذ تحصّلت على نتيجة 87 من مائة. حين قرأت تفسير النتائج، الكثير من الأشياء باتت واضحةً و كأنّ أحدهم يفهمني أخيرا.
كما يرى علم النَفس أنّ أدمغة متعددي الشغف تتفاعل بقوة مع المثيرات الجديدة والمتنوعة، فيفرزون الدوبامين عندما يكتشفون شيئاً جديداً، وليس بالضرورة عندما يتعمّقون في شيء واحد. لذلك، التنوّع بالنسبة لهم ليس تشتتاً، بل محرك داخلي للتعلّم والنمو. الدراسات في علم التنظيم والسلوك المهني (Organizational Behavior) تشير إلى أن متعدّدي الشغف هم أكثر ابتكاراً لأنهم يدمجون بين مجالات مختلفة ويخلقون حلولاً غير تقليدية.
كما أنّهم غالباً ما يصبحون روابط بين الفرق والأقسام لأنهم يفهمون لغات مختلفة (تسويق، تقنية، تصميم، تحليل…).
كلام يبدو مطمئنا لكنّ لماذا مقولة “البخت ضايع” التّي تلاحقني كالكابوس و اشعر و كأنّ في طيّاتها حقيقة ما؟
أظنّ أنّ السبب الرئيسي في هذا هو ضغط وهمي رسمته منصّات التّواصل الاجتماعي على ضرورة تحويل كلّ هواية إلى دخل إضافيّ أو ما يعرف ب side hustle. الهوايات التّي كانت في ما مضى طريقة للتّرويح عن الذّات و اكتشاف جوانبا منّا، صارت مصدرا للقلق و التَفكير. السباق نحو الإنتاجية المزعومة جعلنا أسرى تفكير جديد غريب عنا وعن إنسانيتنا. إذا تمعنت في أمي على سبيل المثال ساجد لها هوايات عديدة و منها الخياطة إذ كانت تخيط لنا ملابس العيد حينا كنا صغارا، تخيل لو عاشت أمي شبابها في جيلي، لما نصحها الجميع ببدأ صفحة على الإنستقرام و بيع الملابس اون لاين. سأصارحكم و أعترف أنّي نصحت أمّي بذلك… أمَي تقول لي أنّها لا تبحث عن ذلك فهي لا زالت احيانا تستمتع بالخياطة لبناتها و أحفادها و تجد في ذلك متعة و بهجة..
متى تصبح هذه النعمة نقمة؟
بحسب دراسات علم النفس المهني (مثل Vallerand et al., 2003) حول أنواع الشغف، هناك نوعان:
الشغف المتناغم (harmonious passion): ينبع من الحرية، ويتكامل مع باقي جوانب الحياة.
الشغف القهري (obsessive passion): يقوم على الحاجة للإثبات أو الخوف من الفشل.
تعدّد الشغف يصبح نقمة عندما يتحوّل إلى شغف قهري متعدّد أي عندما يكون دافعك وراء كل اهتمام هو الخوف من تفويت الفرص أو من عدم التميّز، لا المتعة أو الفضول. و هذا بعينه ما يعني منه الكثير جيلنا ال FOMO أو ( fear of missing out) …
على خطى العلاّمة…
إنّ عصرنا الحديث والنّظام الاقتصادي العالمي الذي يمجّد التخصّص جعلنا نطمس فطرتنا ورغبتنا البشريّة في طلب العلم في مجالات الحياة المختلفة والبحث والتدبّر في الكون.
فلو تأمّلنا في أمثلة العلماء والفلاسفة، لوجدناهم متعدّدي الاختصاصات.
فابن الهيثم كان طبيباً وفيلسوفاً، وماركوس أوريليوس كان حاكماً ومحارباً ثمّ فيلسوفاً وكاتباً.
اُنظر إلى الأطفال، ترى فضولهم يجعلهم مقبلين على الحياة...
فلِمَ نجلد أنفسنا إذا تعدّدت اهتماماتنا؟
فلنقبل عليها لنكتشف ذواتنا. ما يبقى منها سيبقى، وما تركناه خلفنا كان ضيفاً مكرّماً.
وإن سألنا السائلون: ما نحن فاعلون؟
قلنا: بل إنّنا على خطى العلّامة ذاهبون.





I always find myself in your writings Anosh