أنجبت واكتأبت ومن ثم وُلدت من جديد
في آب ٢٠٢٤، جئتُ بالحياة إلى جميل، وجاء هو لي بولادة أخرى.
في ذلك اليوم، أصبحت "ماما مي". كانت لحظة مفصلية، قلبت حياتي رأسًا على عقب. ما قبلها لا يشبه ما بعدها. كانت الأيام الأولى بعد الولادة هي الأصعب حتى الآن. شعرت أنني فقدت الاتصال بنفسي. من هي مي؟ تلتها أسابيع من الحزن والكثير من البكاء، وكأنني أعيش حدادًا على "مي ما قبل الولادة"..
كُنت أفتقد مي الهادئة، المنفتحة، الإيجابية، التي تميل إلى الروتين أحيانًا، ولكنها تعيش حياتها بحسب ما يمليه عليها مزاجها الخاص، ضمن فقاعتها الصغيرة. اهتماماتها بسيطة: القهوة، السفر، الموسيقى. تحب رفقة ذاتها ولا تملّ من الجلوس وحيدة، سواء في مقهاها المفضل أو على كنبة منزلها. تعرف كيف تملأ وقتها بما تحب، ولا تخشى أن تقول "ما بعرف". تحب التعلم، تحب بيروت—شوارعها، ماضيها، حاضرها. تحب الفن وتحب تعلّم الفنون بكل أشكالها. تعشق تجميع الأشياء: الكتب، الدفاتر الجميلة، الأحجار الكريمة، البطاقات البريدية… والورد. كانت لا تملّ من شراء الورد. في ليلة واحدة، تغيّر كل شيء وفقدت تلك النسخة من "مي"، إذ وجدت نفسي سجينة واقع جديد.
كثيرًا ما سمعت مصطلح "اكتئاب ما بعد الولادة"، ولكنني لم أتخيّل أن أعيشه أنا، المتماسكة والمتمكنة من مشاعري وعقلي. لم يُميزني الاكتئاب عن غيري. جاء كأكثر من مجرد حزن، جاء كيأسٍ يُفقدك لون الأشياء، يُفقدك ذاتك، ذاكرتك، ما ظننته يقينًا. لقد كان الإحباط بعينه. شعرتُ وكأنني غير مرئية. لم يُجدِ شيء نفعًا: لا الطعام، لا الموسيقى، ولا حتى من أحب. وحدها الصلاة، ووحده الحب، أنقذاني.
كنت أدعو كل يوم أن ينتهي هذا الكابوس، لأعود كما كنت. كان صعبًا عليّ أن أرى نفسي بهذا الضعف. عاتبت نفسي كثيرًا. أردت أن أكون "أقوى"، أن أسترجع ذاتي… لأكون بقرب جميل. لكن، لم يكن الاكتئاب وحده. تزامنت هذه المرحلة مع كابوس آخر: كابوس الحرب. كوكتيل مرّ، لم أكن أتصوّره. غيّرت الحرب مجرى الأحداث دراميًّا. أحيانًا خفَّفت ضيقي، وأحيانًا زادته عمقًا.
لم أكن لأتصور أن أعيش الحرب مجددًا، وبالتأكيد ليس بالتزامن مع أشهر أمومتي الأولى. هذه المرة كانت مختلفة تمامًا، فأنا لم أعد الطفلة الصغيرة التي تحتمي بوالديها وتهرب معهم، أنا الأم الآن. كنا ننتظر يوميًا الإنذارات التي تُهدِّد أحياءنا وبيوتنا، كمن ينتظر موته. رافقتنا أصوات القصف حتى اليوم الأخير. شعرنا أننا مجرد أرقام، لا يأبه أحد بوجودنا. لم أرغب أن أعيش أمومتي وأنا سجينة أفكاري ومنزلي أيضًا، ولكن هذا ما حدث. "انتهت الحرب" والتقطنا أنفاسنا أخيرًا.
من هول المشهد، قد يظن البعض أنني لم أكن سعيدة بطفلي. ولكن الحقيقة أنني كنت أنتظره بكل حب. ربطتنا علاقة جميلة حتى قبل أن يولد—كنا نتشارك الروايات، الأغاني، الضحك. كنت أعد الأيام لرؤيته. لكن ما لم أتوقعه أن ساعات قليلة قادرة على تغيير كل شيء، قادرة على سحبي من قمة السعادة إلى قاع الحزن في لحظة.
في لحظة تأمل أثناء عزلتي، اعترفت لنفسي: ربما لم أكن مستعدة لمشاركة طفلي مع العالم. كان لي وحدي. أنا مصدر الأمان، الراحة، الغذاء، والحب. أعلم أن هذا يبدو غريبًا، وربما "جنونيًا" للبعض، لكن الأمهات فقط سيفهمن ما أعنيه.
أو ربما… كنت أعيش "حلم الأمومة"، تلك الصورة التي ترسمها لنا مواقع التواصل والأفلام عن ذلك اللقاء الأول المثالي، المليء بالرومانسية والدموع. بيد أن الواقع بعيد كل البعد عن هذه الرواية المبالغ بها.
وهنا يطرح السؤال نفسه:
كيف نصبح أمهات؟ هل نتحول تلقائيًا مع ولادة الطفل؟ أم أن الأم، مثل طفلها، تولد هي الأخرى أيضًا وتتعلم كيف تكون أماً له بمرور الأيام؟
الأكيد أن "ما في أم متل التانية". كل أم تعيش أمومتها بطريقتها، بحسب رؤيتها وقدراتها وواقعها. لذلك، أرجوكم: كفّوا عن مقارنة الأمهات ببعضهن. كفّوا عن النصائح غير المرغوب بها. دعوا الأمهات يعشن تجربتهن بسلام.
بدلًا من ذلك، اسألوا عن حالهن. كيف يشعرن؟ كيف يعشن وحدتهن؟ كيف يمكننا أن نكون سندًا حقيقيًا لهن؟ لا تتركوهن وحدهن، ولا تُطالبوهن بما يفوق طاقتهن، فكما يقول المثل: "You can’t pour from an empty cup" — لا يمكنك العطاء من كوب فارغ. أحبّوا الأمهات، ليتمكنّ من منح الحب لأطفالهن. الأم لن تنسى من كان بجانبها ومن خذلها، وهذه نعمة ونقمة في آنٍ واحد.
وفي النهاية؟ تعافيت. تقبّلت أن لا عودة لمي ما قبل الولادة. أقمت العزاء على تلك النسخة منّي، وبدأت أحب النسخة الجديدة التي نَمَت بداخلي، ولا تزال مي "الأم الحنونة" أو لنقل أن حب "جميل" قد كبر في قلبي حتى تغلَّب على الحزن واليأس. امتلأت به. أشعر بامتنانٍ عميق لهذا الكائن الصغير، الذي ساعدني على النجاة. هكذا ربحت المعركة وولدتُ من جديد.
عن الكاتبة:
مي عبد الساتر، خبيرة في مجال السمعي البصري ومؤسسة "مهرجان بعلبك الدولي للسينما" (٢٠١٧ - ٢٠١٩). تحمل مي شهادة بكالوريوس من جامعة القديس يوسف، "معهد الفنون السمعية والبصرية"، وقد حصلت على جائزة "أفضل فيلم لبناني قصير" عام ٢٠١٦ عن فيلمها الوثائقي "شاي باللبن".




كتابة رائعة - مرحباِ بيكي مي في كاتبات على سفر
استمتعت بتجربتك الصادقة العميقة
أؤمن أن الأمومة هي التجربة الأصعب على الإطلاق، وأن الأمهات على العموم خارقات. شكرًا لمشاركتك تجربتك ميّ، أتفهم أنه يصعب على النساء مشاركة مثل هذه التجارب التي لم تكن مثالية كما هو معهود، ومتأكدة أن جميل محظوظ بكِ.