هل التدين يحمي من الاكتئاب دائمُا؟
قبل سنوات عديدة، كتبت عن موضوع الصحة النفسية في المجتمع المسلم، واستعرضت تجربتين: واحدة لامرأة عانت من القلق لسنوات، ومن ثم وجدت، ولحسن حظها، طريقة للتوفيق بين الدين والعلاج بطريقةٍ ما، وأخرى لسيدة واجهت مشاكل نفسية وشعرت، بطريقةٍ أو بأخرى، بأن نصيحة المحيطين المستمرة للاتكاء على الدين وحده لا تفيد في حالتها.
دفعتني هاتان التجربتان في حينه للتفكير في هذا التداخل بين الدين والصحة النفسية، وعُدت لأتأمل في هذه العلاقة مؤخرًا بعد أن قرأت كتاب “لماذا نكتئب وكيف نتعافى” لمؤلفه د. همّام يحيى، وهو بروفيسور مشارك في الطب النفسي ومؤلف وله مساهمات عديدة تدور حول الأزمات النفسية في عالمنا المعاصر. في هذا الكتاب، يُفرد المؤلف مساحة خاصة للبحث في هذه المسألة، إذ كان لها فصل كامل بعنوان “الاكتئاب والدين والروحانيات”، فما أبرز ما تناوله فيه؟
يعتقد الكاتب أن تخوف البعض من الطب النفسي يجعله يتصور أن ”بروزاك“، وهو واحد من أدوية علاج الاكتئاب، يمكنه أن ”يحل“ محل الدين. وبرأيه، فإن هذا التخوف مبني على افتراضين خاطئين يتصوران أن “الطب النفسي والأدوية تعد بالسعادة” وأن “الدين نفسه يعد بالسعادة”.
يشرح المؤلف أن التعافي من الاكتئاب يعني تمتع الفرد بقدر معقول من “العافية” التي تعينه على ممارسة نشاطات حياته اليومية واستعادة حيويته، ولكنها ليست إلا خطوة بسيطة نحو السعادة، أي “الحد الأدنى من هدوء النفس وصحة الجسد وفعالية المرء” ولكنها ليست ضمانة للسعادة بأي حال من الأحوال. وإذا جئنا للدين ذاته، فالدين لم يعِد الإنسان بالسعادة في الحياة الدنيا، بل كثيرًا ما وصفتها النصوص الدينية بأنها “دار مشقة وكبد وابتلاء وامتحان”.
صحيح أن إيمان المرء القوي يساعده على تقبل تقلبات الحياة، وبالتالي قد يكون المتدينون والروحانيون “أقل اكتئابًا وأسرع تعافيًا” بالفعل، وذلك استنادًا إلى الدراسات التجريبية والبيانات الإحصائية، إذ راجع باحثون متخصصون كل الدراسات التي تناولت العلاقة بين الاكتئاب والدين في الفترة ما بين عامي 1962 و2010، ووجدوا أن 67% من هذه الدراسات تؤكد على وجود “أثر إيجابي للدين والروحانية على الاكتئاب”. بيد أن الاكتئاب، لو أخذناه كمثال، هو نتاج العديد من العوامل، بما في ذلك العوامل البيولوجية التي لا يد للإنسان فيها، ولا يُمكن تفسيرها بقلة الإيمان. بعبارة أخرى، يشرح يحيى أن هناك أشخاصًا يكون احتمال تعرضهم للاكتئاب عاليًا بسبب عوامل بيولوجية حتى قبل أن يتعرفوا إلى الدين وقبل أن يصلوا سن التكليف.
ويشير يحيى إلى مسألة مهمة أخرى، وهي طريقة تعاطينا مع مثل هذه الدراسات. أظهرت الدراسات المذكورة أعلاه علاقة إيجابية بالفعل بين الإيمان والروحانيات والتعافي من الاكتئاب، فهل هذا يعني أن نتعامل معها كواحدة من المسلمات ومن ثم نتهم أول شخص مكتئب نلتقي به بأنه قليل الإيمان وننصحه بالرجوع إلى الدين ولا شيء غيره؟ يخبرنا المؤلف أن الدراسات لا يمكن أن تقيس “العلاقات بين المتغيرات.. إلا على مستوى مجموعات من البشر، لا على مستوى أفراد بعينهم”. لتقريب الصورة، يستخدم المؤلف مثالًا آخر، ويدعونا للتفكير في الدراسات التي تخبرنا أن أمراض القلب أقل شيوعًا بين أوساط الرياضيين، فهل هذا يعني أنه من المستحيل لنا أن نلتقي بشخص رياضي الفعل ومصاب بمرض من أمراض القلب؟ بل هذا أمر وارد، ولكنه أقل شيوعًا وحسب.
يثير الكاتب سؤالًا مهمًا، وخصوصًا في مجتمعاتنا، حول التعاطي مع مسألة الدين أثناء العلاج النفسي. المطلوب برأيه هو التعامل معه بحساسية، واستثمار النواحي الإيجابية المرتبطة بعلاقة المُعالَج بالدين، إن وُجدت، لغايات المساعدة في التعافي. الفيصل هنا هو أن يتعامل الطبيب أو المعالج “بأدواتهما المتخصصة”، لا “بصفتهما واعظين أو داعيين إلى فكرٍ ما أو منطلقين من خلفية أيدولوجية”.
من الكتاب إلى الميدان
أعادني هذا الكتاب للتأمل في تجربة جميلة حكمون، وهي مختصة بالصحة النفسية للرجال المسلمين. جميلة هي صاحبة التجربة التي تحدثت عنها في مقدمة هذا المقال. هي امرأة بريطانية من أصلٍ عربي، وُلدت ونشأت في المملكة المتحدة، وقد كتبت مقالًا مطولًا عن تجربتها مع القلق ومحاولات العلاج منه.
تواصلت مع جميلة رغبةً مني في معرفة المزيد، فقد قرأت في مقالها أنها تبذل جهدًا في البلاد التي تعيش فيها لتوعية الأئمة بأهمية الصحة النفسية وبأن السعي للتعافي بطرق أخرى لا يتعارض بالضرورة مع الدين. أخبرتني جميلة مرة أخرى عن تجربتها مع القلق المزمن، هي امرأة لا تملك القدرة، في كثير من الأحيان، على السيطرة على قلقها، ولكنها كانت من “المحظوظين” بوجود رجل دين تثق به ينصحها بأخذ الأدوية التي تساعدها في التغلب على القلق، طالبًا منها أن تُعامل الأمراض النفسية كأي أمراض جسدية أخرى يلجأ الناس للعقاقير أحيانًا للتعافي منها.
هي من المحظوظين القلائل، لأنها، وأثناء بحثها على الإنترنت، وجدت كثيرين من المسلمين الذين شاركوا تجارب سلبية مع رجال الدين من حولهم، ممّن لم يؤمنوا بالعلاج النفسي يومًا. من هنا، بدأت جميلة جهودها للمساهمة في التوعية، وقد قادت هذه الجهود إلى نتائج إيجابية بعد حوالي عقد من الزمن.
تثير جميلة في حديثها معي العديد من النقاط المهمة التي يجب التوقف عندها لفهم سياق المجتمع المسلم في المملكة المتحدة. أولًا، هذا المجتمع يتألف غالبًا من المهاجرين الذين قدموا إلى هذه البلاد أملًا في مستقبلٍ أفضل. ربما واجه أبناء وبنات الجيل الأول من المهاجرين مشاكل مرتبطة بالصحة النفسية، ولكنهم لم يملكوا المعرفة الكافية بها، فلم يسموها باسمها، وربما يكونون قد آثروا إهمالها ومواصلة العمل من أجل المستقبل الذي قدموا لأجله، فورث عنهم أبناؤهم هذه الثقافة التي لا تعير هذه المسألة اهتمامًا يليق بها.
ثانيًا، يرتبط الوعي بالصحة النفسية بشكلٍ عام بمدى انفتاح المجتمع ذاته. والعديد من مجتمعات المهاجرين قد تكون مجتمعات مغلقة برأيها، لا يتعرض فيها المرء إلا لما يشبهه، ما يُقلّل من فرص معرفته بالعلاج النفسي من بين أمور أخرى. ثالثًا، هناك إحساس قوي بالتعاطف بين المسلمين في كل أنحاء العالم، فما يحدث لبعضهم في بلدٍ ما يؤثر في آخرين في بلدٍ بعيد، وهو تعاطف مطلوب بطبيعة الحال، ولكنه يقود في أحيان أخرى إلى شعور الفرد الذي يعاني من مشاكل نفسية بأن هذه المشاكل “ترف” بالمقارنة مع ما يحدث لآخرين في مكانٍ آخر، وهو شعور يُعزّزه المجتمع من حوله، فكثيرًا ما يقول للناس لبعضهم “احمد ربّك، فما هذه المعاناة التي تتكلم عنها؟ هناك من يمر بأسوأ بكثير”، الأمر الذي تراه جميلة غير منطقي وغير مقبول. رابعًا، تُقرّ جميلة بأنها تتفهم الضغط الكبير الذي يتعرض له الأئمة في مجتمعات المهاجرين، فهم يتحملون مسؤوليات كبيرة ويتوقع منهم التواجد في معظم المناسبات الاجتماعية والمساهمة في حل مشاكل أبناء المجتمع مقابل أجر مادي لا يُذكر.
أخبرتني جميلة عن جهود كبيرة تُبذل لتغيير نظرة الناس للعلاج النفسي، فمنهم من يعتقد أن العلاج النفسي طقس يتنافى مع تعاليم الإسلام، إذ يُخيّل للبعض أنهم سيجلسون في عيادة الطبيب النفسي للبوح بذنوبهم في طقسٍ يشبه طقس الاعتراف المرفوض في الإسلام، والذي ينطوي أيضًا على المجاهرة بالمعصية، وهو أمر يسعى المؤمنون للابتعاد عنه أيضًا. بيد أنه، وبحسب تحليل جميلة، أصبح الناس أكثر استعدادًا لتقبل اللجوء للعلاج النفسي بعد عام 2020، فالعزلة والقلق بعد انتشار فيروس كورونا دفعاهم لتقبل حاجتهم للدعم أكثر من أي وقتٍ مضى، وأصبح هناك عدد أكبر من الأئمة الذين يفهمون أهمية العلاج النفسي وينصحون الناس باللجوء إليه. ليس هذا وحسب، بل كانت هناك جهود موجهة لمقدمي الرعاية النفسية، الذين تعتقد جميلة أنهم بحاجة لفهم الأساسيات حول الدين الإسلامي، حتى لا يضطر المُعالَج للتوقف وشرح الأساسيات، ولأهمية فهم الاختلافات الدقيقة بين المسلمين الذين لا تجب معاملتهم كـ”مجتمع متجانس” وهم ليسوا كذلك.
تختص جميلة اليوم بالصحة النفسية للرجال في المجتمع المسلم، الذين تثبت الدلائل أنهم الأقل ميلًا لطلب المساعدة. تشرح جميلة أن هناك أفكارًا دينية وأخرى ثقافية يبدو أن الرجال المسلمين يتمسكون بها، وهي التي تحول بينهم وبين طلب المساعدة، كالاعتقاد بأن الرجل يجب أن يكون “متماسكًا”، لا يُعبّر عن مشاعره أو ضعفه أو حزنه. وتلفت إلى أن هذا الاعتقاد بالذات ثقافي بالدرجة الأولى، فالنبي محمد، عليه الصلاة والسلام، لم يكُن يخفي مشاعره، بل لدينا من الأدلة ما يكفي حول تعبيره عنها وعن ضعفه، وقد تزوج هو ذاته بامرأة تكبره في السن، وتفوقه مالًا ونجاحًا، ولم يكُن يتبع الصورة النمطية التي يريد الرجل المسلم أن يظل متمسكًا بها وإن كانت تفرض عليه ضغطًا نفسيًا هائلًا.
كل ما ورد في الكتاب وكل ما قالته لي جميلة يُعبّر عن جهود مستمرة للتوفيق بين الإيمان والتعافي بشكله الأعم، بحيث يصبح سؤال “كيف تكون مسلمًا ومكتئبًا في آنٍ واحد” سؤالًا عفا عليه الزمن!



جزاك الله خير ، مقالة رائعة حقا ❣️.
شركات الأدوية راح يفرحون بهذا المقال ،،مافيه شيء يثبت إلى الآن أم تلك الأدوية تعالج مرض نفسي لا يمكن قياسه أو عمل أشعة له ،،