فى حضرة الذبول
فى إحدى حدائق بلدة لويس الهادئة في جنوب إنجلترا، كنت أمشي بين ممرات الزهور الممتدة. كان ذلك في منتصف نيسان/ أبريل، أي في موسم التوليب الذي يملأ معظم حدائق المملكة المتحدة بحضور لافت.
صفوف من الألوان تتوزع بين الأحمر والأصفر والبرتقالى والوردى، ترفع بتلاتها بفخر نحو السماء وكأنها تحتفل بالربيع على طريقتها الخاصة. مع بزوغ شمس الربيع الهادئة، عادة ما يبدأ الناس في الخروج والتنزه في الحدائق الإنجليزية التي تكسوها ألوان الأزهار المتفتحة. وبطبيعة الحال، يتوقف الجميع أمام هذه المشاهد المبهجة لالتقاط الصور أو التأمل فى جمال الزهور المنتصبة وكأننا نريد أن نحفظ لحظة اكتمالها قبل أن يسبقها الزمن.
في ذلك اليوم، وبينما أمشي بين ممرات الحديقة لفتت انتباهى بقعة غريبة الجمال. لم تكن الزهور الربيعية الأزهى ألوانًا، بل تلك الزهور الذابلة التي بدأت تخبو فيما بينها. زهور ذات ألوان باهتة تراجعت بعضها إلى الخلف بينما مالت الأخريات على إحدى جانبيها، وكأن الوقوف طويلًا قد أنهكها.
وقفت هناك طويلًا. شعرت بشىء من الألفة مع تلك النباتات المتعبة وبدأت في التقاط صورها. الذبول الذي رأيته فيها لم يكن غريبًا، فقد لمسته مرات عديدة فىّ، وفي من حولي. رأيته فى الأيام التى نمرّ بها بلا طاقة، فى اللحظات التى ينخفض فيها صوتنا، ونكتفي بالجلوس في صمت.
كانت تلك المرة الأولى التي أنتبه فيها إلى جمال الذبول وتساءلت: لماذا نسعى دومًا خلف البريق وننسى أن الحياة ليست براقة على الدوام؟ فى الحدائق، كما فى الحياة، نميل إلى تجاهل ما ذبل. نلتقط صور الورود وهي مشرقة، ونكتب عن النضارة والحيوية، ونربط الجمال بالبدايات فقط. أما حين تنحني الأعناق، و تبهت الألوان، فإننا نشيح بأنظارنا بعيدًا.
يقول المثل المصري: "وإن دبل الورد ريحته فيه". نعم، قد يتغير شكل الوردة، وقد تنكمش بتلاتها، لكن الجوهر لا يتلاشى حين تخفت المظاهر. فبرغم كل ذلك كانت تلك الزهور ما زالت "وردًا". بل وربما، كانت أكثر صدقًا من غيرها. لم تتظاهر، لم تتجمل، لم تحاول أن تكون شيئًا آخر. ببساطة، كانت هي، حتى في ذبولها. ما رأيته في تلك اللحظة، لم يكن لوحة من الجمال التقليدي، بل كانت لحظة صادقة مشبعة بالحياة. لحظة جعلتني أفكر في ذبولنا الإنساني. كم مرة وجدنا أنفسنا نقاوم هذه الحالة، نخفيها عن أعين الجميع، أو نتظاهر بأنها غير موجودة؟ لماذا نعرض عن هذه اللحظات فى دورة الحياة ولا نمنحها التقدير نفسه الذي نمنحه للتفتح والبهاء؟
اعتدنا أن نمجد لحظات البهاء والصور اللامعة على الشاشات والابتسامة المستمرة حتى وإن كانت غير صادقة. أما التعب، الحزن، الغموض، البطء، فليست صفات مرغوبة. ماذا لو كانت هذه الحالات ضرورة مثلها مثل التألق؟ ماذا لو كانت "مراحل الذبول" هى مساحات تعافٍ، أو صمت خلاق، أو إعادة تشكّل؟
فى الطبيعة، لا أحد يعتذر حين يذبل. لا شجرة تخجل من أوراقها التي تسقط. لا زهرة تدارى ضعفها. فكيف لنا نحن، ككائنات أكثر هشاشة، أن نطالب أنفسنا بالكمال الدائم؟
ما رأيته في لويس كان مجرد مشهد لحياة لم تعد في ذروتها، لكنها ما زالت حياة لم تفقد جدارتها بالنظر والتأمل. هذه الوردة الذابلة ما زالت في الحديقة وسط أخواتها، تؤدي دورًا جديدًا وتذكرنا بضرورة التغيير ، وبأن الجمال ليس لحظة واحدة، بل قوسًا طويلًا من التحول.
منذ ذلك اليوم، بدأت بتتبع الزهور الذابلة وتأملها أينما وجدتها، فى الحدائق أو على جوانب الطرق، كأنني أبحث عن رسائلها الخفية. ربما علينا أن نلتقط لها صورًا أكثر، أن نكتب عنها، أن نتأملها أكثر في حدائقنا. علمتني تلك الزهور أن الذبول- في حقيقته- هو فصل من فصول الحياة وعلينا أن نحتضنه تمامًا كما نحتضن التفتح.




أمرّ بفترة ذبول، وكما قلتِ: كنت أحاول إخفائها عن الأعين.🚯 إلى أن جاءت مدونتك وحرّكت شيئا داخلي..
شكرا واحدة لا تكفي إسراء
🤍🤍