جولة سريعة: بصمات الأرمن-المصريين في القاهرة
في الاستراحات القليلة التي تتاح لي للتجول وحدي، أي دون أن أكون مشغولة بحماية كائن صغير أتحمل مسؤوليته، أحب أن أذهب في جولات لاستكشاف أماكن جديدة بهدف التعلم والمتعة ومحاولة استعادة جزء من كياني السابق الذي فقدته بمجرد أن تحملت هذه المسؤولية.
خلال الشهر الفائت، ذهبت في جولة في وسط البلد بالقاهرة للتعرف على تاريخ وجود الأرمن في هذه المدينة برفقة مجموعة تنظم جولات المشي هناك. يذهلني جهلي السابق بالتنوع الذي كان موجودًا في القاهرة والإسكندرية، وبأعداد الناس من مختلف الجنسيات الذين وجدوا في هاتين المدينتين ملاذًا وتركوا بصماتهم فيهما.
لا توجد إحصائيات دقيقة حول أعداد الأرمن في مصر، ولكن من المؤكد أنهم يُشكّلون أقلية، وقد هاجرت أعداد كبيرة من هذا المجتمع على مدار العقود الماضية، ولم يبقَ منهم سوى آلاف اليوم. عرفنا، في هذه الجولة، أن وجود الأرمن في البلاد يسبق وقوع الإبادة الأرمنية في عام 1915، وشغل بعضهم مناصب عليا مثل نوبار باشا، وهو أول رئيس وزراء مصري بعد استحداث هذا المنصب. أخبرنا المرشدون، وبعض المرافقين في الرحلة، أن من قدموا بعد وقوع الإبادة كانوا يُمنحون بطاقات يُكتب عليها “رعايا أرمن”، وهي بطاقات تشبه ملفات التقدم للجوء في يومنا هذا، ومن ثم مُنحت الأغلبية الجنسية المصرية بعد سنوات.

كحال الأقليات في كل بلد، سعى الأرمن إلى الحفاظ على هويتهم وتاريخهم من خلال بناء ثلاثة مرافق أساسية هي الكنيسة والمدرسة والنادي، ولكن المجتمع لم يظل مُغلقًا طيلة هذه السنوات، فكثيرون اندمجوا تمامًا في المجتمع المصري، ومنهم من يفضل البقاء في مصر على العودة إلى أرمينيا.
توقفنا عند مساهماتهم في الفنون والعمارة والتصوير الفوتوغرافي وصناعة التبغ في البلاد، إذ كانت للشركات المملوكة للأرمن حصة كبيرة من سوق التبغ في البلاد، ومن أشهرها سيجارة “كليوباترا” التي أنتجها جوزيف ماتوسيان وباتت علامة معروفة بين الأوساط الشعبية. يروي الكاتب عمر طاهر قصة هذه السيجارة في كتابه “صنايعية مصر”، ويسميها باسمها الحركي “صديقة الفقراء” مع أنها لم تكُن كذلك حين عُرضت في الأسواق للمرة الأولى، بل كانت دلالة على الانتماء إلى طبقة عليا حتى أن واحدًا من إعلاناتها كان يُظهر خطّابة تُعدّد مزايا العريس وتقول “شيك ومحترم وبيدخن كليوباترا”.
بحسب رواية طاهر، التي تتفق مع ما قيل لنا في الجولة، كان المنتج الأبرز لماتوسيان في أوائل الستينيات سجائر “بلمونت”، وقد التقى بالرئيس المصري آنذاك جمال عبد الناصر في معرض للصناعات أيام الوحدة بين مصر وسوريا. عرض ماتوسيان على الرئيس سجائره، ولكن الأخير رفض أن يجربها وقال إنه لا يغير نوع سجائره ولكنه مستعد لتجربتها إن وصلت لمستوى “كنت”. راح ماتوسيان يُحلّل خلطة “كنت” ويُحاول صناعة ما يُشبهها، وقد تزامنت محاولاته تلك مع ظهور فيلم “كليوباترا” وإعلاناته الضخمة التي انتشرت في كل مكان، فاختار أن يسمي سجائره الجديدة بهذا الاسم، معتقدًا بأنها لن تحتاج إلى دعاية وستستفيد من شعبية الفيلم ومن رمزية اسم ملكة مصر في زمنٍ قديم. قدم ماتوسيان سجائره بالفعل لعبد الناصر ليُجرّبها، ولكنه لم يعرف أبدًا رأيه فيها. بيد أنها تحولت إلى “عملة” في حياة المصريين كما يصفها طاهر في كتابه، تزيل الحواجز بين الغرباء وإن كانت “ضارة جدًا”.
بدأنا باللغة وحروف الأبجدية، وانتهينا بالهوية المختلطة في مكتبة Reader’s Corner بوسط البلد. كانت هذه فقرتي المفضلة، إذ استمعنا إلى السيد كريس، الذي ورث المكتبة هو وإخوته الثلاث وأخته، يروي لنا ذكريات طفولته فيها، ينفض الغبار عن كتبها ويقرأ كتب الأطفال بصحبة أخيه. كانوا ينشرون المجلات والكتب والقصص ومن ثم بدأت المكتبة، شيئًا فشيئًا، بعرض لوحات فنية. يتحدث السيد كريس العربية بطلاقة، يرمي النكات تمامًا كأي مصري آخر ويُحسن استخدام السخرية في رواية قصته. يحمل الجنسية المصرية، ولكن اسمه يظل غريبًا في بعض الأحيان. تُطلب منه البطاقة، يُقرأ الاسم غير المألوف، فيسأله أحدهم “أنت مصري؟”، يسخر هو من السؤال ويُذكّر السائل بأن البطاقة القومية بين يديه. وإن لم تكفِ البطاقة، فلديه صورة توثق تأديته للخدمة العسكرية في البلاد.
زار كريس أرمينيا، ولكنه لم يستقر فيها. أخبرنا أن هناك اختلافًا ثقافيًا برأيه بين الأرمن المقيمين في أرمينيا وأولئك المقيمين في الشتات، ويفضل هو شخصيًا البقاء في مصر، التي تعتبرها بناته، أيضًا، بلدهن بالفعل. يُعامله البعض كأرمني هنا، ويُعامله آخرون كعربي هناك. يلجأ إلى اللغة الأرمنية هنا حين يرغب بالحديث بأريحية دون أن يفهمه أحد، ويتحدث بالعربية هناك إذا ما أراد شيئًا من السرية. هو أفضل من جسّد هذه الثنائية في اللغة والهوية في هذه الجولة بأكملها.



التنوع العرقي في مصر مذهل 🤍
وأنا كذلك زرت أرمينيا. بلد مميز بروح مختلفة.