"يمكنكم جلب شخصكم الصغير يوم العملية وسنهتم بكلّ شيء..."
الشخص الصغير المقصود هنا هو عزيز، والمتحدثة هي سكرتيرة الطبيب الذي اخترناه ليجري له عملية الختان، بعد توصية من صديقة سعودية وصفته بلهجتها الجدّاوية المميزة بأنه "دكتور ممتاز، بس أخلاقه معفّنة..."
وبما أننا كنّا نبحث عن طبيب موثوق ومجرّب لإجراء عملية الختان لعزيز، وبما أنّ عيادته كانت في نفس المستشفى الذي سألد فيه -وهي ميّزة مهمة- فلم نكترث بأخلاقه المعفّنة، أيًا كان معنى ذلك. أعني، لن يكون متحرّشًا مثلًا وإلّا لما اعتمدَته ليشرف على حملها وولادتها مرتين متتاليتين وليقوم بختان ابنَيها، وبالتأكيد لم تكن ستنصحنا به.
وهكذا، ذهبنا إلى عيادة الطبيب الممتاز ذي الأخلاق المعفّنة -كما أصبحنا نشير إليه رسميًا- لترتيب موعد لختان "الشخص الصغير"، كما كانت سكرتيرته تشير إلى عزيز طوال الوقت، متجنّبة تمامًا استخدام كلمة "ولد". وجدتُ ذلك الإصرار على تحييد جنس الطفل مضحكًا في ذلك الموقف بالذات، ووددتُ لو أقول لها: "يا حبيبتي جئنا نقصدكم في عملية ختان، لو كان أيّ شيء غير ذكَر فسيكون عليك الاتصال بالشرطة، لا ترتيب موعد!"
المهم، مرّت العملية بسلاسة، خاصة بعد أن طلبوا منّا الانتظار خارج العيادة ريثما يجري الطبيب العملية، فلم نرَ شيئًا ولم نسمع صراخ عزيز الذي خرج إلينا مسترخيًا وهادئًا. كما زال الغموض والحمد لله بعد أن التقينا بالطبيب وفهمنا أنّ "أخلاقه المعفّنة" تعني فعليًا أنّه عملي وبراغماتي ولا يعرف المجاملة، ويحمل على وجهه طوال الوقت ابتسامة تعطيك شعورًا بأنه يسخر منك بينه وبين نفسه. عزّ الطلب.
قبل ذلك بيوم كنّا قد حمّمنا عزيز لأول مرة. جاءت ممرضة كي تعلّمنا كيف نفعل ذلك، وقد رأيتُ عجبًا وقتها، شيء مختلف عن حمّامات حديثي الولادة التي شهدتها من قبل حين كنت أزور صديقات أو قريبات في المستشفى بعد الولادة وأقف أمام حضانة الأطفال للتفرّج على الممرضة وهي تعطي الطفل حمّامه الأول، فترفعه وتنزله وتقلبه كما لو كانت تقوم بتتبيل قطعة دجاج، ويهبط قلبي مع كلّ حركة مع أنها تقوم بذلك بخفّة وخبرة من فعل ذلك عشرات المرات. كان الأمر مختلفًا هنا، إذ بقي عزيز ملفوفًا بالقماط بينما قامت الممرضة بغسل شعره برفق شديد، ثمّ فكّت القماط وراحت تغطّس مناديل ناعمة بماء دافئ ثمّ تمسح بها جسده بنفس الرفق. لا داعي للقول إننا حين عدنا إلى البيت كنّا نحمّمه حسب تقاليد الآباء والأجداد، لكنّ جهودها مشكورة طبعًا.
وهكذا، غادرنا المستشفى في اليوم الرابع بعد الولادة بعد استيفاء المتطلبات الأساسية لمادة الوالديّة 101، أو الأموبوّة إن شئتم (إن كنتم قد تخطيتم الفقرة الخاصة بهذا المصطلح في الجزء الثالث فالآن فرصة جيّدة للرجوع إليها).
لا يمكنني القول إنني كنت قد استوعبتُ شعور الأمومة بعد، ولن أستوعبه إلّا بعد شهور طويلة، أعني أن أشعر فعلًا بأنّ هذا ابني وأنا أمّه. أظنّ أنني عشتُ فترة طويلة في دور الخالة والعمّة وأتقنته بجدارة بحيث أصبح من الصعب عليّ تخيّل أن أكون أنا نفسي أمّا لطفل. كنت أشعر كأنّه ابن أختي أو أخي مثلًا. وبمناسبة الحديث عن أبناء الأخ والأخت، لا أتذكّر كم مرة قيل لي إنه حين يصبح لديّ أبناء فسأحبهم أكثر ممّا أحببت أبناء إخوتي بمراحل، وسأشعر بفرق شاسع بالحب بينهم، ويمكنني أن أؤكّد لكم أنّ هذا ليس صحيحًا، أو على الأقل لم يحدث لي، ولا أشعر بأنّ حبي لبنات أختي وابنَي أخي وفرحتي بهم كانا أقل من حبي لعزيز وفرحتي به، بل إنّ هناك ميّزة لأبناء الأخ والأخت تتمثل في أنّ حبك لهم حبّ خفيف، بعكس حب أبنائك المحمّل بالقلق والمسؤولية. لا أدّعي أنني أحب أحدًا أكثر من أولادي، لا أظنّ ذلك ممكنًا أصلًا، لكن لا يمكن لأحد أن ينتقص من حب العمّة والخالة، حتى لو أصبحَت أمًّا.
بغضّ النظر عن كلّ ذلك، حين يستيقظ ابنك في الثالثة فجرًا ويبدأ الصراخ طالبًا الرضعة فلن يعنيه إن كنت قد استوعبت دورك الجديد كأمّ أم لا، وستطوّرين مهارات لم تكن لديك من قبل، مثل القدرة على الاكتفاء بأربع ساعات من النوم لشحن طاقة تكفي لليوم كله، أو -إن كان ابنك مثل عزيز يبدأ الصراخ خلال ثلاثة أجزاء من الثانية بعد استيقاظه وقبل أن يفتح عينيه- فستطوّرين مهارة توقّع وقت استيقاظ الوحش لتكون الرضعة جاهزة بانتظاره قبل أن يوقظ البناية كلّها.
إحدى أهمّ المهارات التي سيكون عليك تطويرها مهارة التعامل مع القلق والشعور بالذنب، خاصة في الأشهر الأولى التي قد تشعرين فيها بأنك لا تعرفين شيئًا ولا تفعلين شيئًا بالشكل الصحيح، وحين تكون هرموناتك ما زالت في حالة تخبّط فتجدين نفسك ترسمين سيناريوهات خيالية لا تخطر ببال أكثر المخرجين نكدًا، فماذا لو حدث شيء لابنك؟ وكيف يمكنك حمايته من نفسه ومن العالم؟ عرفتُ لاحقًا أنّ هذه الأفكار قد تكون جزءًا من اكتئاب ما بعد الولادة، لكن بما أنني كنت معتادة على تخيّل السيناريوهات السوداوية ظننته وضعي الطبيعي المعتاد. بأيّ حال، تعاملتُ مع ذلك كما تعلّمت أن أتعامل مع الأفكار اللاعقلانية بعد سنوات من الخبرة في الصراعات النفسية الداخلية: العقلنة، ثمّ التجاهل والانشغال بشيء آخر، ويا لكثرة ما يمكنك الانشغال به وأنت أمّ! ومع الممارسة أصبحت أتجاوز خطوة العقلنة من باب أنّ عقلنة اللاعقلاني مضيعة للوقت، والتجاهل المباشر هو الحل الأمثل. بلوك بلوك بلوك!
أحد الوسائل التي استخدمتها ولا أزال هي "لا تتخيلي"، وذلك بعد عبارة قرأتها للشيخ الشعراوي مختصرها "أنّ البلاء إذا نزل على العبد ينزل معه اللطف، فإذا تصوّرت البلاء قبل وقوعه فقد استقبلت البلاء من دون اللطف وأهلكت روحك". يا ستي إن كان لا بد من التخيّل فتخيّلي ابنك عريسًا مثلًا، لكن هذا أيضًا سينتهي ببحر من الدموع على الأرجح. الخلاصة، دعي الغيب لعالِم الغيب وركّزي في الواقع. صدّقيني، ستحتاجين إلى كثير من التركيز، خاصة إن كنت أمًّا لولد.
وعلى سيرة التركيز، لا تستغربي إن شعرت بالضياع خلال الأشهر الأولى التالية للحمل. جسمك وعقلك يتعاملان مع تغيّرات كبيرة، والهرمونات لا ترحم، كما رأينا من قبل. لكن لا تتركي نفسك تصبحين فريسة للخوف من أنّ انخفاض قدرتك على التركيز ستكون سببًا في إيذاء ابنك، وهو ما كنت أنا نفسي أخشاه، وما اكتشفتُ أنّ زوجي كان يخشاه أيضًا حين سألني بقلق إن كان يمكنه أن يتركني وحدي في البيت مع عزيز بعد أن تسافر أمي وتنتهي إجازته هو ويعود إلى العمل، فأجبته على الفور بأنّ حالة الضياع التي أبدو فيها سببها أنّ تركيزي كلّه منصب على عزيز، فلا داعي للقلق عليه. أمّا كل شيء آخر فله حل: ضعي منبّهًا يذكّرك بأن تطفئي النار تحت الطبخة مثلًا، أو تفقّدي الفرن قبل تحميته- خذيها نصيحة من أخت لك أشعلت الفرن وبداخله بشكير، والحمد لله أنّه كان فرنًا كهربائيًا، ولا تسأليني ماذا كان البشكير يفعل داخل الفرن.
وعلى سيرة التركيز أيضًا، ومع أنني لا أحبّذ التشديد على الفروقات بين الأطفال على أساس الجنس، إلّا أنّك قد تحتاجين ضعفَي كمية التركيز التي تلزم الإنسان الطبيعي إن كنت أمًّا لولد، لكن هذا باب آخر نفتحه في المرة القادمة!



