من أكون؟
شاهدت مؤخرًا مقابلة لأنس بوخش مع غابور ماتي، وكانت من المرات القليلة التي أتابع فيها مقابلة كاملة دون أن أشعر بالملل. أحب طريقة غابور ماتي السلسة في شرح أعقد المواضيع، ما يجعل حديثه ممتعًا ومفيدًا في آنٍ واحد.
ماتي هو واحد من أكثر الكتّاب تعمقًا في مواضيع الصدمات النفسية الناتجة عن الماضي، وهي من المواضيع التي تهمّني، وأحرص على متابعة جميع مقابلاته، لأنه يضيف لي الكثير، ويجعلني أفهم نفسي أكثر في كل مرة أقرأ له أو أستمع إليه. أرى فيه رجلًا استطاع أن ينقلب على ماضيه الصعب والمؤلم (بعد أن نجا من الهولوكوست) بكل تعاطف وفهم للواقع، دون أن يحمل بغضًا أو حقدًا أعمى. وهذا، في نظري، يتطلّب قدرًا كبيرًا من الشجاعة. ربما لهذا السبب، أثق به وبما يقوله، وأؤمن بتجربته.
أكثر ما شدّني في مقابلته هذه كان سؤال أنس بوخش حين التفت إليه قائلًا:
“?Who are you, Gabor”
فأجابه ماتي بجوابٍ عميق جعلني أتوقف طويلًا:
“هذا السؤال دائمًا أفضل من الإجابة، لأنني إذا أعطيتك الأشياء المعتادة، فسأقول إنني طبيب ومؤلف متقاعد يبلغ من العمر 81 عامًا. لكن هذا ليس من أكون، بل ما فعلته فقط. أما من أكون فعلًا، فهذا سؤال مستمر، لأن العقل لا يعرف من نحن. معرفة من نحن تتجاوز حدود الشخصية والجسد والعقل. وهو سؤال مهم للغاية، لأن من نكون يحدد كيف نتفاعل مع العالم.”
عندها تساءلت بيني وبين نفسي: من أنا؟ بعيدًا عن الألقاب المحيطة بي، بعيدًا عن شهادتي الجامعية ومواهبي وما أحب وما أكره. من أنا بعيدًا عن كوني أمًا؟
قبل الأمومة، كنت أظن أنني أعرفني جيدًا. كنت أستطيع أن أُعدّد صفاتي بثقة: طيبة، صادقة، مبدعة في عملي، إيجابية في نظرتي للأشياء، أكره الكذب وأحب الصراحة، أميل إلى التفكير الزائد والقلق المفرط أحيانًا. لكن الأمومة غيّرت كل ما كنت أعرفه عن نفسي. أعادت ترتيب عالمي الداخلي بالكامل. أصبحت أرى نفسي أولًا كأم، ثم يأتي كل شيء آخر بعد هذه الصفة. ثم جاء جواب غابور ماتي ليوقظ بداخلي سؤالًا أكبر: سؤال البحث عن الذات بين عالمي الصغير، حيث أعيش تفاصيل حياتي اليومية والعالم الأوسع من حولي.
فمن هي “مي” إذا جرّدناها من الألقاب والمؤهلات؟ لِمَ هذا الهوس بالألقاب والمؤهلات من الأساس؟ كأننا في سباقٍ لا ينتهي لنعرف من أنجز أكثر ومن يحمل لقبًا وظيفيًا أهم ومن يملك أكبر عدد من الشهادات أوالجوائز. لماذا نحن مهووسون بإثبات شيءٍ ما للعالم؟ وهل هذا العالم هو الذي برمجنا بطريقته لنعتقد أن قيمتنا مرتبطة بإنجازاتنا وإنتاجيتنا؟ كلما أضفنا مسمّى وظيفيًا جديدًا إلى سيرتنا الذاتية، ازدادت قيمتنا في نظر الآخرين، وصِرنا أشخاصًا “ذوي شأن”.
أنا، أيضًا، وقعتُ ضحيةً للألقاب. بقيتُ في وظيفةٍ كانت تستنزفني بالكامل، فقط من أجل المغريات التي كانت تحيط بمكانتي، ومن أجل المستوى المعيشي الذي كانت توفّره لي. بيد أن جسدي انهار بعد فترة وجيزة، ولم يعد يحتمل الضغط الذي كنتُ أفرضه عليه لكي أثبت أنني “جديرة” بالمكان الذي كنتُ فيه. حينها فقط، علمتُ أن هذه كانت نهاية الطريق. وبعد رحلة طويلة من العلاج، أدركت أنني لا أريد العودة إلى طريقٍ مشابه أبدًا. قررت أن أختار نفسي أولًا، مهما علت المغريات، ومهما كانت الألقاب مغرية أو لامعة.
في كتاب «أسطورة العادي» (The Myth of Normal)، يشرح غابور ماتي كيف تشجّعنا المجتمعات الحديثة على تحديد هويتنا من خلال الأدوار التي نؤديها (كالعامل، أو الوالد، أو الناجح) بدلًا من أن نكون متصلين بجوهرنا الداخلي الحقيقي، ويقول “نحن نخلط بين ذواتنا الحقيقية وبين الأدوار التي نؤديها، والتوقعات التي نحاول تحقيقها.” ويقترح ماتي أن الرضا الحقيقي لا يأتي من الأداء أو التمثيل، بل من العيش بصدقٍ والانسجام مع أنفسنا. كما يرفض فكرة وجود “خطوات محددة” أو “مدة زمنية معينة” لاكتشاف الذات، فكل إنسان يكتشف ذاته وفق وتيرة ألمه واستعداده للتأمل. بعض الناس تبدأ رحلتهم في لحظة أزمة، وآخرون عبر عملٍ روحي أو علاجي طويل.
لذا، يا عزيزي القارئ، قد يستغرق إيجاد الجواب عن هذا السؤال “من أكون؟” وقتًا أطول بكثير من حروف هذا النص. لن نجد الجواب هنا، لأن هذا البحث طويل، وربما يستمر ما تبقّى من عمري. لكن، لا بأس. لنحاول سويًا. فلا ضرر في المحاولة.
أنا مي عبد الساتر، أقف الآن في منتصف الثلاثين من عمري. أحببت وكرهت، خضت الكثير من التجارب، منها ما فرّحني، ومنها ما كسرني. أحب اسمي كثيرًا، ربطته بهويتي وبذاتي طوال حياتي. أحبه لأنه يربطني بمي عبد الساتر، إعلامية، كاتبة، ناقدة فنية وروائية لبنانية التي سُمّيت على اسمها، وأحببته أكثر بعد أن قرأت مذكرات مي زيادة وشعرت بذلك الرابط العميق بيننا، وأحببته مجددًا عندما اكتشفت أغنية نادرة لفيروز من الخمسينات، تقول فيها: “أنتِ يا مي زهرة، حسدتها الزهور”، ويا لها من مفاجأة سعيدة أن تغني لكِ فيروز!
لكن الحقيقة أن اسمي مجرد تعريف أولي عني، وليس من أكون فعلًا. أعلم جيدًا ما أريد أن أكونه، ما لا أريد أن أكون. أريد أن أكون إنسانة أولًا، صادقة مع نفسي ومع من حولي، رحيمة، آمنة، لا أساوم على مبادئي. العائلة بالنسبة لي هي كل شيء، وأنا بدونها لا شيء. أحترم من يحترمني، وأطمح أن يتذكرني الناس بالخير.لو سألتني السؤال ذاته قبل خمس سنوات، لقلت إنني أريد أن يتذكرني الناس بنجاحي وإبداعي. لكن اليوم، وبعد أن أصبحت أمًا وخضت تجربة تربية طفلي، أدركت أن معايير النجاح تختلف من شخص إلى آخر، وأن الإبداع أمر نسبي. أما الخير، فهو القيمة الوحيدة التي لا يختلف عليها اثنان، رغم ندرتها في هذا الزمن.
أنا أيضًا كنت “بنفسج” أو “بنفسجية” كما كنت أعرّف عن نفسي منذ أكثر من عشر سنوات، وهكذا عرفني كثيرون من قرّائي على مدونتي القديمة “بنفسج في المدينة”. أحببت زهرة البنفسج لأنها تشبهني: تظهر في الشتاء فقط، لا تعيش طويلًا، وتنمو في أماكن محددة. أحببت اللون البنفسجي لأنه كان يشبهني آنذاك: دافئ، أنثوي، وحزين قليلًا. أحببت كل الأغاني التي ورد فيها البنفسج — أغنية ريم بنا “مواسم البنفسج”، و”ليه يا بنفسج” لصالح عبد الحي. هل يمكن لزهرة أن تشبهنا إلى هذا الحد؟ ربما كان البنفسج مرحلة عكست فترة العشرينات، مرحلة اكتشاف الذات والأنوثة ومزيج المشاعر المتقلبة. لكنها مرحلة لم تعد تمثلني الآن.
وربما لا نحتاج أن نعرف من نكون تمامًا، بقدر ما نحتاج أن نكون حاضرين في رحلة البحث نفسها، رحلة ليست سهلة، لأنها تتطلب أن نصمت قليلًا وسط ضجيج الحياة، وأن نواجه وجعنا بدل أن نهرب منه. بيد أنه لا مفرّ من الخوض في أعماقنا — في آلام وصدمات الماضي — لأن فيها خيوط الحاضر الذي نعيشه اليوم. كل تجربة مررنا بها منذ الطفولة وحتى هذه اللحظة، ساهمت في تشكيل ملامح من نكون. كل حب، كل خيبة، كل فرح صغير، يقربنا خطوة من الحقيقة. ربما لا نصل يومًا إلى إجابة نهائية، لكن يكفينا أن نسير في الطريق.
فأنا وأنت، وكل من يقرأ هذه الكلمات، نسير معًا في الرحلة ذاتها، رحلة السؤال الأبدي: من أكون؟
عن الكاتبة:
مي عبد الساتر، خبيرة في مجال السمعي البصري ومؤسسة “مهرجان بعلبك الدولي للسينما” (٢٠١٧ - ٢٠١٩). تحمل مي شهادة بكالوريوس من جامعة القديس يوسف، “معهد الفنون السمعية والبصرية”، وقد حصلت على جائزة “أفضل فيلم لبناني قصير” عام ٢٠١٦ عن فيلمها الوثائقي “شاي باللبن”.
نُشر سابقاً:
أين هي القرية في عصرنا الحديث؟
لا بد أنكم سمعتم عبارة “every mom needs a village” أو “every child needs a village”، أي أن كل أم تحتاج إلى “قرية” تساعدها في تربية أطفالها. لكن عن أي قرية نتحدث اليوم؟








