هذا هو الفصل الثاني من سلسلة “مشروع أم”. يمكنكم قراءة الفصل الأول على هذا الرابط.
تخيّلي معي عزيزتي القارئة أنّك وجدتِ أخيرًا ذلك الكائن الأسطوري المسمّى بـ”الرجل المناسب”، أو أنّه هو من وجدك، لن نختلف. ها أنتِ تضغطين snooze على منبّه ساعتك البيولوجية الذي يرنّ مع كلّ عيد ميلاد لك، وكلّ حفل زفاف لشخص غيّرت حفاضته في يوم من الأياّم، وفي كل عيد فطر وأضحى ورأس سنة هجرية وميلادية وأيّ مناسبة لأيّ دين في العموم. تخيّلي أنّ ذلك أصبح حقيقة واقعة، هل تعتقدين أنّ المشكلة انتهت هناك وأنّ الدنيا ستصبح بين ليلة وضحاها “زبادي خلّاط”؟
لا يتطلّب الأمر ذكاءً خارقًا ولا تجربة مستفيضة في الحياة كي تجيبي: كلّا طبعًا، فهناك الآن مرحلة التعارف بين العائلتين، والترتيبات الاجتماعية واللوجستية، وأمور جانبية تافهة أخرى مثل الوضع الاقتصادي والسياسي على المستوى المحلي والعالمي وتأثيره في قراراتك الشخصية البحتة. وإن كان هذا الحدث السعيد في حياتك قد وقع في عام 2020، فستفهمين تمامًا قوة ذلك التأثير، كما فهمه ملايين البشر وشهدوا وبصموا بأنفسهم على صدق نظرية “أثر الفراشة”، أو في هذه الحالة “أثر الخفّاش”.
كما قلت، بدأ الكلام بيني وبين زوجي المستقبلي في بداية عام 2020، وكنتُ أعرفه قبل ذلك معرفة سطحية، لكنّ إبراهيم قرّر أنّ الوقت المناسب لتعميق علاقتنا هو بداية عام 2020، وهو قرار سيندم عليه كثيرًا، أعني سيندم على تأخير القرار حتى هذا الوقت، أمّا الندم على تعميق علاقتنا أصلًا فهذا أمر لم أسأله عنه ولا يمكنني أن أفتي فيه. بالمناسبة، تذكرين كيف قلت إن بعض من حولي كانوا يرونني حالة ميؤوسًا منها وعانسًا لا أمل لها؟ كل ذلك زاد من عذوبة شعور الانتصار حين أعلنت وأنا في السادسة والثلاثين نيّتي الارتباط بشخص يصغرني بعام ونصف، لم يسبق له الزواج، و”مهندس قد الدنيا”، أي أنه في العقلية السائدة عريس مثالي يحق له أن يشرط ويتشرط، وغالبًا ما سيبحث عن فتاة في العشرينيات يكون لديها وقت كافٍ لتنجب له دستة أولاد. لا أنكر أنّه كان شعورًا جميلًا، وإن لم تكن أيّ من تلك المواصفات سببًا رئيسيًا في حسم قراري بالارتباط به.
إذًا، نحن الآن في عام الحسم، وبما أنّ إبراهيم كان ولا يزال يعيش في أستراليا -قعر العالم وآخر الدنيا- كان علينا وضع خطة بتواريخ محددة وواضحة، فاتفقنا على أن يأتي إلى الأردن في شهر حزيران لنتمّ الخطوبة وكتب الكتاب ونستطيع البدء بإجراءات الفيزا التي يمكن أن تأخذ وقتًا طويلًا، كما يعرف أيّ مواطن عربي ساعٍ للهجرة بطبعه، ليس لأننا نعيش في بيئات طاردة -لا سمح الله- وإنما لأننا شعوب جاحدة لا تقدّر النعمة، كما تعرف وتعرفين. لكن كما تعرفون أيضًا، كانت جميع الخطط مرهونة بمزاج مواطن صيني عاشق لحساء الخفافيش، أو خطأ قاتل لعالم في مختبر أسلحة بيولوجية -إن كنت من هواة نظرية المؤامرة. بناءً على ذلك، وضعنا خطتنا على الرّف واتخذنا خطة بديلة: سنخطب أونلاين!
حين أفكّر في الأمر الآن أجد أنّه كان ضربًا من الجنون. الناس يخطبون لشهور وأحيانًا سنوات ثمّ تتكشف لهم أشكال وألوان من المصائب في الشخص الآخر، بينما قررنا نحن، من لم نعرف بعضنا على أرض الواقع معرفة حقيقية، أن نُخطب لبعضنا رسميًا ونعرّف عائلتينا على بعضهما عبر الأثير.
طبعًا، اتضح أنّ ذلك كان قرارًا صائبًا في حالتنا، لكن هذا حظ وتوفيق ربّاني، وليس قاعدة أعممها وأشجع عليها، لكنها من الأمثلة التي تستشعر فيها المعنى الشعبي لمفهوم القسمة والنصيب. يحدث أحيانًا أن تكون واثقًا باختيارك لدرجة أن تتخلى عن الحذر المعتاد، إذ يكون لديك رصيد من التجارب الشخصية يمكنّك من قراءة الشخص الآخر بشكل أسرع وأكثر دقّة. إنّه فرق الخبرة يا أولاد، لذلك إن كنتم تبلغون من العمر أقلّ من ثلاثين عامًا فهذا الكلام لا يعنيكم، ولا تتصوروا أنكم نلتم خبرة كافية لأخذ هذا النوع من المجازفات. أمّا من تجاوزوا الخامسة والثلاثين، فلتتوكلوا على الله وتأخذوا المجازفة بقلب قوي ما دام القلب والعقل مطمئنين، فقد أضعنا من أعمارنا ما يكفي وتكسّر على رؤوسنا الكثير والكثير من البطّيخ.
ذلك إسهاب لا بدّ منه وإطالة لا أعتذر عنها، فهذه سلسلة عن الأمومة، واختيار الأب جزء أساسي منها، إلّا إن كنتِ من مناصري التكاثر الذاتي، وهو أمر ممكن -نظريًا على الأقل- لكن في ظل تدني احتمالات حدوثه، قد تكون الطريقة التقليدية للتكاثر هي الخيار الأفضل لك. إنّما من أنا لأقول لكم ما أقول لكم؟ استشيري طبيبك طبعًا.
وهكذا حلّت الخطوبة الإلكترونية الجزء الاجتماعي من المشكلة، لكنها لم تشفع لنا عند الحكومات التي أغلقت المطارات ومنعت السفر منها وإليها أو حددته بشروط صارمة، ولا عند المسؤولين الذين راحوا يحاولون تسجيل نقاط سياسية من خلال الجري وراء وهم احتواء الفيروس فقلبوا حياة الناس إلى فيلم ديستوبيا لم يأت بمثله الأوائل، ولا عند فيروس كوفيد نفسه الذي واصل الانتشار غير عابئ بكلّ ذلك. باختصار، لا أحد يهتم بساعات عمرك وسنوات خصوبتك التي تمرّ أمام عينيك غيرك.
كانت الأردن من الدول التي فتحت مطاراتها مبكرًا نسبيًا، مع وضع شروط وإجراءات للسفر منها وإليها، أمّا أستراليا فكانت قصة أخرى، وتحديدًا ولاية فكتوريا التي شهدت إحدى أطول فترات الإغلاق والحجر الصحي في العالم. وهكذا ظلّ إبراهيم حبيسًا هناك شهورًا طويلة قبل أن يستطيع السفر إلى عمّان، بعد أن كتب تعهدًا للحكومة الأسترالية يعفيهم فيه من المسؤولية في حال حدوث أيّ شيء له خلال السفر، ويمنعه من العودة إلى أستراليا قبل انقضاء ثلاثة شهور على الأقل، مع أنّه مواطن أسترالي. الأمر يشبه أبًا يتبرأ من ابنه ويطرده من البيت لأنّه قرّر الزواج من فتاة من خارج العائلة. وحين وصل إلى عمّان، لم نستطع فعل شيء أو البدء بأيّ إجراءات قبل مرور أسبوع لأنّه كان ملزمًا بالتزام الحجر الصحي، كأيّ مسافر في تلك الفترة. لكن ما الأسبوع في عمر الشعوب وأمام سنوات الانتظار السابقة؟
وأخيرًا، خرج إبراهيم من الحجر وباشرنا الإجراءات، والتي كان أوّلها فحص ما قبل الزواج الذي يهدف إلى معرفة إن كان كلا الزوجين يحملان جين مرض الثلاسيميا، الأمر الذي قد يمنعهما من الزواج غالبًا. تخيّلوا الكوميديا السوداء لو أنّ نتيجة الفحص جاءت تحمل ذلك الخبر بعد كل هذا الانتظار! لكن الله سلّم، وبعد النجاح المظفّر في فحص الدم، كان إبراهيم أمام اختبار من نوع آخر، فكونه يحمل جنسية أخرى كان عليه اجتياز اختبار المواطن الصالح للحصول على موافقة الجهات الأمنية للزواج بإحدى بنات البلد. طبعًا، نحن نهتم ببناتنا ولا نسمح لهنّ بالزواج من أيّ كان، ومع ذلك حين تتزوجه سنمنعها من منح جنسيتها لأبنائها ونعيّرها باختلاف جنسية زوجها بكلّ صراحة في دفتر العائلة، الذي سيكون مكوّنًا من صفحة واحدة لأننا لن نسمح لها بإضافة أبناء الأجنبي إليه.
والحقّ أنّ الموافقة الأمنية صدرت بسرعة ومن دون تعقيدات، لأنّ العريس يحمل سجلًا نظيفًا وجنسية أجنبية، ولا شكّ لديّ أنّه لو تقدّم بجنسيته العربية الأصلية لوصل الأمر إلى المخابرات، قولًا واحدًا. التلاحم العربي في أبهى صوره.
وهكذا مرّت الإجراءات بيسر وسلام، لنكتب الكتاب في بداية عام 2021، ونقيم حفل زفاف بعد أسبوع اختصرنا منه كثيرًا من المدعوين بسبب ظروف الحجر الصحي. وكم يسعدني أنّ الظروف حكمت بأن نخطّط ونجهّز لحفل زفاف خلال أسبوع واحد فقط، بزفّة وفستان أبيض وكامل الإضافات، ولم أعش حياة عروس تقضي ستة أشهر أو عامًا في التخطيط لحفلة، مع كل ما يتبع ذلك من صداع ومشاوير لاختيار الورد ولون شراشف الطاولات، خاصة أنني لا أتذكّر شيئًا من ذلك الآن ولم أنتبه لأي من تلك التفاصيل يومها.
بعد ذلك بقليل بدأنا إجراءات تأشيرة الإقامة، التي ستأخذ وقتًا أطول بطبيعة الحال في ظلّ الوباء والحجر الصحّي، ولعلّنا كنّا أفضل حظًا من أشخاص آخرين استغرق حصولهم على التأشيرة عامين أو أكثر. وفي بداية عام 2022، بعد عام كامل من زواجنا قضينا معظمه في حالة زواج مع وقف التنفيذ، يقيم كلّ منّا في بلد وتفصل بيننا قارات وبحار، سافرتُ إلى أستراليا وأصبح بمقدورنا أخيرًا أن نفكّر في إنشاء عائلة، الأمر الذي لم أكن أريد تأخيره أكثر مع عامين يفصلانني عن الأربعين.
وقد تظنين عزيزتي القارئة طيبة القلب أنّ قرار الإنجاب أو تأجيله أصبح بيدنا في هذه المرحلة، لكن من كان يدري أنّ نوع الوثيقة الحكومية التي دخلت بها البلاد سيكون له رأي في الأمر أيضًا!


