أحلام مؤجلة
في مشهد من فيلم “أشباح بيروت” للمخرج اللبناني غسان سلهب، تقول إحد شخصيات العمل جملةً تختصر ما عجزنا دائماً عن قوله: “الحرب ما بس خربت البنايات، خربتنا من جوا نحن كمان. نحن من جوا منشبه البناية المصدعة.” وكم هي جملة صحيحة، بكل ما تحمله الكلمة من ثقل. نحن نشبه البنايات المصدّعة، تلك التي تقف رغم كل شيء، جدرانها مثقوبة والهواء يعبرها كأنه يبحث عمّن كان يسكنها. مع كل حرب عشتُها، أشعر أنني أخسر شيئاً مني لا يعود، قطعةً من ذاكرتي، شظيةً من وجودي، طبقةً من إنسانيتي. فراغٌ يتسلّل إليّ بصمت، يتآكلني من الداخل، تماماً كما تتآكل البنايات التي خرّقها بارود المحتل وقذائفه، وبقيت واقفةً لتشهد على ما جرى.
في السادسة من عمري، شهدتُ للمرة الأولى عدواناً إسرائيلياً على بيروت، وأحسستُ بخوف لا مثيل له. حين شنّ العدو غاراته على مطار بيروت الدولي عام ١٩٩٦، ضمن سلسلة من الاستهدافات التي طالت بيروت ولبنان، كانت تلك المرة الأولى التي يدخل فيها صوت الحرب إلى جسدي لا إلى أذنيّ فحسب.سمعتُ الغارات وأنا أحاول أن أفهم كلام الكبار عن الاحتلال، عن العدو، عن شعور اسمه “الخوف” كنتُ أظنّه يخصّهم وحدهم. لم أكن أعلم أنه كان يكتب اسمه فيّ منذ تلك اللحظة.
واليوم، بعد ثلاثين عاماً، لا يزال الخوف يرافقني، بل عاد بوتيرة مختلفة وأعلى. ليس فقط لأن آلة الموت تطوّرت وصارت أكثر دقةً في اختيار ضحاياها، بل لأن قلبي لم يعد قلباً واحداً. لم أعد أخاف على نفسي وحدي. باتَ خوفي على من هو أغلى من نفسي. باتَ فهمي لخوف أمي وأبي علينا حين كنا صغاراً أعمق وأصدق، ذلك الخوف من موت محتوم كان يلاحقنا ولا يزال. وصرتُ أتساءل بدوري: كيف أحمي طفلي الصغير من صوت لا أستطيع أنا نفسي أن أتعوّد عليه؟ كيف أشرح له أننا في عام ٢٠٢٦، نحمل في جيوبنا العالم كلّه، ومع ذلك لا نستطيع أن نحمي أنفسنا من موت يأتي من السماء؟ كيف أمنحه أماناً لم يمنحني إياه أحد منذ السادسة من عمري؟ هذه الهواجس وغيرها لا تتوقف عن الدوران في رأسي منذ “عودة” الحرب.
لم تتوقف الحرب لتعود. وفصول السنة تشهد على ذلك، أربعة فصول وكلها تحمل من الحرب نصيباً. بتنا نعيش على امل “وقف إطلاق نار” وهمي، لا يعترف به شياطين الأرض، لا يعترفون بأي لغة غير لغة الدم. بتنا متعطشين لاستراحة، ريثما نقطف ورود الربيع التي زهرت ونسقي الشجر ونأخذ نفساً طويلاً تحت سمائنا الصافية من المسيرات والطائرات الحربية والموت. ننتظر ربيعاً يأتي بجديد، بهدنة حقيقية، بسلام لا تُكتب شروطه فوق أشلاء الشهداء ولا تُوقَّع بنوده بدماء الأوفياء لهذا الوطن.
أدركتُ فجأةً أنني صرتُ أشبه أبي. لم أكن أتخيّل ذلك يوماً، غير أن الحرب والأمومة معاً صنعتا هذا الشبه. باتَ إدماني للأخبار طقساً يومياً لا أستطيع تركه، أتابع التفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، وأناقش آراءً سياسية بطلاقة لم أعرفها من قبل. باتَ في مخزوني معجم لم أخترْه: “هدنة”، “وقف إطلاق نار”، “سلاح أرض جو”، “مفاوضات مباشرة”، كلمات تجلس في فمي كأنها كانت هناك دائماً. وأشبهه في فنجان القهوة الذي لا يُحتمل الصباح بدونه، خصوصاً حين يكون الصباح ثقيلاً. وأشبهه في خوفي على ولدي جميل، كما كان يخاف علينا نحن. وأشبهه، كما يشبهه كثيرون من أبناء هذا البلد، في القدرة على النهوض بعد السقوط، والمقاومة بكل أشكالها حتى حين يبدو الاستسلام هو الخيار الوحيد. خسائر أبي في حروب هذا الوطن لا تُعدّ ولا تُحصى، وأشدّها ألماً تلك التي لا تُرى، أحلام مؤجّلة إلى الأبد.
وأنا أيضاً لديّ أحلام باتت مؤجّلة. ليست أحلاماً كبيرة، لا تحتاج إلى معجزة لتتحقق. أحلم فقط بيوم هادئ، يوم لا أفتح فيه عيني على خبر موت، لا أمسك فيه هاتفي خائفةً مما سأقرأ. أحلم بصباح تكون فيه القهوة مجرد قهوة، لا طقساً نتمسك به لأن العالم من حولنا يحترق. أحلم بأن أراقب جميل يلعب دون أن يعبر برأسي ذلك السؤال الذي لا أريد أن أفكر فيه: هل سيكبر بأمان؟ أحلام بسيطة، بسيطة جداً، لكنها في هذه البقعة الجغرافية التي أحبّها رغم كل شيء، تبدو كأنها رفاهية لا تليق بنا.
تأخذ منا الحروب كثيراً. تأخذ نُسَخاً منا لا تعود، تأخذ الأحلام والأمنيات، تأخذ ناساً نحبّهم ومعهم حكاياتهم التي لن تُكتمل. تهدم بيتاً بنيناه حجرةً حجرة، وتسرق عمراً أمضيناه في بنائه. تأخذ الطمأنينة من عيون الأطفال قبل أن يعرفوا معناها، وتزرع في مكانها يقظةً لا ترحم وخوفاً. لكنها، رغم كل ذلك، لا تأخذ منا شيئاً واحداً: هذا الإصرار العنيد على البقاء، على الحب، على الحلم من جديد، على إعادة البناء في كل مرة، حتى ولو كنا نعرف في قرارة أنفسنا أن ربما الحرب ستعود. وربما هذا وحده ما تعجز الحرب عن أخذه منا، مهما حاولت.






وانا كذلك أتمنا من الله تعالى أن تنتهي الحرب في جميع أنحاء العالم حتى العالم يعيش ابأمان
ابسلام وطمنينه و كل إنسان يحقق أحلامه الجميل الي يسعه اله دمتم سالمين ♥️