من لبنان: كيف تقضي الأمهات عيدهن؟
عيد الأم في لبنان لا يشبه عيداً. كيف ذلك، وهناك مليونٌ وخمسون ألف لبناني "نازح"؟ أرقامٌ تختبئ خلفها أمهاتٌ وأطفال، بعيدون عن بيوتهم وأرضهم، كلُّ أمٍّ تحمل في قلبها رائحة بيتها الذي تركته.
كيف نحتفل وأمهات وطننا نازحاتٌ في أرض وطنهن؟ كيف نأتي بالفرح وقد خسرت بعضهن أطفالها تحت القصف والدمار؟ من أين نستحضر البهجة وقد سُرقت الراحة والطمأنينة من عيون أطفالنا؟ أين العيد في كل هذا الألم؟
أنا أمٌّ، وباتت تجربتي تعلمني أن عيد الأم أعمق بكثير مما تصوّرته. ليس مجرد أغنية تُشعل المشاعر، ولا احتفالاً موسمياً تصنعه ماكينة التسويق. هو يومٌ يُذكّرنا، سنةً بعد سنة، بأن الأم تستحق أن يُحتفى بها، بحبها الذي لا يكلّ، وبانتباهها الدقيق لكل تفاصيل حياتنا، صغيرها وكبيرها. لم أكن أفهم هذا قبل أن أصبح أمًّا. كنت أرى في هذا العيد مبالغةً ما، أو ربما مناسبةً تجاريةً تستثمر العواطف. لكنني حين حملت طفلي، أدركت أن ما تقدمه الأم لا يُقدَّر بثمن، وأن الأمومة هي أجمل لقبٍ يُمكن أن يُضاف إلى سيرة امرأة، وأنه يستحق التقدير والاحتفال. صرت أنتظر هذا اليوم بشوقٍ حقيقي، أخطط له مسبقاً، وأحتفل فيه بأمومتي وأمومة كل من أحبّ.
لكن هذا العيد لا يشبه العيد.
أمهات وطني مثقلاتٌ بالهمّ، يسكنّ خيماً مصطفّةً على أرصفة بيروت، بعيدات عن بيوتهن وأرزاقهن. منهن من خسرت أطفالها تحت القصف، ومنهن من تنتظر أن تلد مولودها الأول على قارعة الطريق، وأخريات تحاول بجسدها وروحها أن تحمي أطفالها من الصدمة والخوف والبرد القارس المحيطَين بهم. لا مكانَ للعيد في هكذا ظروف.
في حرب عام ٢٠٢٤، كنت أخطو خطواتي الأولى في الأمومة بقدمَين متعثرتَين. بعد أسبوعَين من ولادة ابني جميل، اندلعت الحرب وامتدّ القصف إلى بيروت وإلى جوارنا. كانت أشد أيامي قسوةً؛ بين كآبة ما بعد الولادة وأخبار الموت المتواصلة، وجدت نفسي سجينةً بين جدران بيتي وأفكاري. كنت أبحث عن الهدوء لأنعم به مع وليدي، فوجدت واقعاً لا يشبه ما تخيّلته. امتزجت رائحة الطفولة برائحة البارود.
لست الوحيدة، وللأسف لن أكون.
اليوم يعود هذا المشهد ليتصدّر شاشاتنا: نساء حوامل نازحات، قد يلدن في الشارع! جملةٌ وقعها موجعٌ على كل قلب. لا أستطيع إلا أن أتخيّل الخوف والإحباط اللذَين يطوقان الأم الحامل في مثل هذه الظروف؛ هي التي جهّزت لنفسها كل السيناريوهات، لم تكن لتتخيّل هذا. وكيف يُعقَل أن يُطرح هذا السيناريو في عام ٢٠٢٦؟ أم باتَ من المقبول أن تكون نساؤنا وأطفالنا أقلّ شأناً، أقل قيمةً، مجرد أرقامٍ تتصدّر نشرات الأخبار؟
مؤلمٌ هذا الواقع، ومرفوض.
نحن لسنا أرقاماً. أمهاتنا وجداتنا وأطفالنا، لسنا أرقاماً. لم تكن جدتي رقماً، ولا أمي. نساء وطني يقاومن منذ الأزل؛ يقاومن بالسلاح وبالعلم، بالحب وبالفرح، بالحفاظ على موروث الأرض ونقله للأجيال، بإنجاب المزيد من الأجيال الحرة، بالحكاية والكلمة والموقف الثابت. ليس هذا بجديدٍ عليهن، وهن لن يتوقفن حتى يزول هذا الاحتلال.
مرّت على أمي حروبٌ داخلية وحروب اسرائيلية لا تُحصى. اضطرّت مراراً أن تأخذنا ونحن أطفالٌ بين يديها، هارباتٍ من تهديد العدو. خسرت جزءاً من بيتنا في كل حرب إسرائيلية، وأعادت بناءه في كل مرة. حتى الحرب الأخيرة عام ٢٠٢٤، حين كانت الخسارة كبيرةً ولا عودة منها. كثيراتٌ مثل أمي خسرن الكثير على مرّ السنين، لكنهن بقين صامداتٍ ثابتات، وهذا الصمود وحده يستحق الاحتفال.
لا مكان للعيد في هكذا ظروف، إلا أننا نختاره. نختار الفرح لأنه أعمق أشكال المقاومة. ونحتفل بأمهاتنا لأنهن علّمننا أن نبقى.
نُعيّد أمهاتنا المقاومات، الثابتات، الصامدات، الجديرات بالحب والفرح والطمأنينة. هذا العيد يليق بكنّ اليوم وكل يوم، فأنتنّ أثبتّن على مرّ السنوات أنكنّ القوة والثبات بعينهما.
لذا نختار الفرح. الفرحُ فعلُ مقاومة. ونختار أن نفرح بأمهاتنا في عيدهن، اليوم وكل يوم من أيام السنة، فكلّ يوم يستحق أن يكون عيدهن.
—




كل عام و أنتن بخير ، عاد عيدكم بالأمن و المسرة يا عظيمات ❣️!