"فوبيا الخروج عن "الخط
- شايف الرسم جميل إزاي والألوان مريحة يا عمر؟
- بس أنا بطلع برة الخط
- وايه يعني؟ ما تطلع برة الخط. المهم تتبسط باللي بتعمله.
مر أمامي هذا المشهد الذي لم يتعد ثوان معدودة في أحد مسلسلات السباق الدرامي لشهر رمضان ٢٠٢٦، حيث دار هذا الحوار العابر بين الجدة وحفيدها أثناء انغماسه في نشاط التلوين. يخشى الطفل الخروج عن الإطار المرسوم للصورة بينما تشجعه الجدة على التركيز أكثر على الاستمتاع بما يقوم به عوضًا عن الاهتمام بالخط المرسوم.
أعادني هذا المشهد إلى طفولتي التي كانت مليئة بالرسم والألوان وإعادة التأمل فيها وكيف نشأ بداخلي هذا الخوف من الخروج "برة الخط" ليستمر معي في كل مناحي الحياة وليس فقط في الرسم والتلوين.
منذ نعومة أظافري، لطالما أحببت الرسم والألوان. كنت -وما زلت- لا أتحمل المساحات البيضاء الفارغة، وما إن أقابلها حتى ألقي بألواني عليها لأكسر ذلك الفراغ. وكأن هذا البياض هو محاكاة لحياة لم تعش وأن الألوان التي أستخدمها قد تضفي عليه بعض مظاهر الحياة.
في المدرسة، كنت أتطلع دائمًا إلى حصص الرسم وأنتظرها بفارغ الصبر. وكان الدرس الأساسي الذي نتعلمه جميعًا هو "ما تخرجيش برة الخط". كنت مثالًا يحتذى به في مدرستي، حيث كنت "خبيرة" في عدم الخروج "برة الخط"، الأمر الذي لطالما مصدرًا للفخر، في عالم الرسم وخارجه.ومع الوقت، لم يعد الأمر مجرد مهارة يدوية، بل أصبح "كتالوجًا" غير مكتوب لكيفية عيش الحياة.
لم تكن الخطوط في حياتي مرسومة في دفاتر الرسم فقط، بل كانت حولي في كل مكان. كيف ألبس، كيف أتكلم، ما الذي أطمح إليه، ومتى يجب أن أتوقف عن الحلم. كان هناك دائماً تصور مسبق لما ينبغي أن تكون عليه "الفتاة الجيدة" أو "المرأة المحترمة". وقد كنت، مثل كثيرات، أحاول أن أبقى داخل ذلك الإطار.
في صغري، تمنيت أن أصبح رسامة محترفة. أتذكر جيدًا المساحة المغلقة التي خصصتها في شرفة غرفتي المغلقة لأعلق فيها لوحاتي الطفولية البسيطة. وعلى مدخل هذه المساحة، علقت ثلاثة ورقات بعنوان "معرض اسرا صالح". كان ذلك حلمي الصغير الذي تمنيت أن أحققه عندما أكبر. لكن الرسم -والفن عمومًا- كان خروجًا صارخًا "برة الخط" بالنسبة لعائلتي. وبالتالي، استحال هذا الحلم الصغير أمام رغبة العائلة في أن أصبح "دكتورة"، لأظل داخل "الخط" المحدد لي أنا أيضًا.
لكنني كبرت، وما زلت أحمل ألواني الصغيرة بداخلي. لم أتمكن من التوقف عن تلوين أي مساحة بيضاء أقابلها. دراستي للعلوم الصيدلية كانت مفيدة جدا في ذلك أيضًا، حيث امتلأت أوراقي وكتبي بمركبات الكيمياء العضوية التي تحتوي على حلقات البنزين سداسية الشكل التي لم أكن "أرحمها" كما كانت تمازحني صديقاتي حينها، فكانت هوايتي المفضلة خلال المحاضرات والدروس هي تلوين حلقات البنزين، فتميل علىّ صديقتي هامسة: “ يا بنتي هو انتي ما بتسيبيش حلقة بنزين في حالها؟" ونضحك.
التزمت بعدم الخروج "برة الخط"، حتى نسيت الهدف الأساسي من التلوين، وهو الاستمتاع بالفعل نفسه كما تقول الجدة في المشهد الدرامي السابق. لكن بذرة التمرد بداخلي كانت دائمًا تحاول الخروج بينما أحاول أنا قمعها لأتجنب العواقب التي أدركها جيدًا والثمن الذي تدفعه كل من تسول لها نفسها في الخروج عن الخط في هذا المجتمع. عشت معظم سنوات حياتي بفضول حبيس "فوبيا" الخروج في كل شئ تقريبًا. هذه الفوبيا تجعلنا نرفض الفرص لأنها "غير مرسومة" في خطتنا الأصلية، ونخشى التجارب الجديدة لأنها قد تلطخ صورتنا المنظمة أمام المجتمع. نحن نعيش في “إطارات” جاهزة: إطار الفتاة المهذبة، الزوجة المطيعة، والأم المثالية، إلخ. وفي غمرة محاولاتنا للبقاء داخل هذه الخطوط، ننسى أن نسأل أنفسنا: هل نستمتع بفعل الحياة؟ أم أننا بتنا كقطع الشطرنج التي يتم تحريكها وفق الخطة المعدة مسبقًا دون أي إرادة منا.
في حياتي المهنية والشخصية، مررت بلحظات اخترت فيها أن أبقى داخل الخط لأنه أكثر أماناً. ومررت بلحظات أخرى قلت فيها لنفسي: لا بأس إن بدا المسار مختلفاً قليلاً. لا بأس إن لم يفهم الجميع اختياري. في كل مرة خرجت فيها خطوة واحدة خارج التوقعات، اكتشفت أنني لم أفقد نفسي، بل اقتربت منها.
"وإيه يعني؟" حين أفكر في جملة الجدة، أجدها بسيطة جداً، لكنها عميقة وتدعو إلى التأمل. بالفعل، "وايه يعني" إذا خرجنا عن الخط؟ فالإبداع لا يبدأ إلا حين نلامس تلك المساحات المهملة خارج الحدود المرسومة، و تلك "التجاوزات" الصغيرة هي التي تصنع بصمتنا الخاصة في هذا العالم.
وإذا كان الخروج عن الخط يعني الاقتراب أكثر من نفسي وأن أختار ما يشبهني ليس ما يتوقع مني، إذن "وايه يعني؟"
مع أول خروج عفوي عن الخط، ندرك أن المساحة خارج الخط هي أكبر بكثير من المساحة الضيقة بداخله وأن الخيارات في الخارج كثيرة ومتنوعة وتستحق المغامرة.
لا أدعي أن الخروج "برة الخط" سهلاً، فهو لا يتطلب مهارة في الإمساك بالقلم فحسب، بل يتطلب شجاعة لمواجهة العاصفة التي تلي كسر القواعد.
بالطبع، الخروج عن الخط له ثمن. فالمجتمع الذي يحب الألوان المحبوسة داخل الأطر السوداء، قد يرى في خروجنا "تمرداً" غير مبرر. لكنني مع الوقت أيقنت أن المساحات البيضاء التي نخشى تلطيخها، هي في الحقيقة مساحات للنمو والإبداع، لأن أعظم الإنجازات الإنسانية لم تحدث داخل المربعات المرسومة، بل في تلك الهوامش التي نتجرأ على ارتيادها.



