سينما إشبيلية: كيف أرتني صيدا بعيون جديدة؟
علاقتنا بمدننا شائكة ومُعقّدة؛ فهي أول مكان تتكوّن فيه، ومن خلاله، نظرتنا إلى العالم وإلى أنفسنا: قناعاتنا، طريقتنا في التفاعل والحركة، تجاربنا الحلوة والمرّة، الأصوات التي نألفها حتى تصبح جزءًا من شعورنا إما بالأمان الشخصي أو خوفنا الأبدي.
أنا من مدينة ساحلية يُقال إنها من أقدم مدن العالم. شُيّدت صيدون، أو صيدا كما نسمّيها اليوم، في القرن الرابع قبل الميلاد، وهي مدينتي التي وُلدت وما زلت أعيش فيها، ولكنني لست متأكدة إن كنت أرغب في قضاء بقية حياتي هنا.
أحب صيدا، ففيها عائلتي وأصدقائي، وهنا خطوت خطواتي الأولى نحو نفسي والعالم الخارجي. رأيت للمرة الأولى تدرّجات الأزرق على شواطئها، وشهدت ذوبان الشمس في البحر، و قضيت نصف عمري في شوارعها ومقاعد مدارسها. عرفت فيها الحب الأول، وتعلمت معنى الصداقة، واختبرت الخيبة والفشل.
على الرغم من أنها ثالث أكبر مدينة في لبنان، لكنّني كثيرًا ما أشعر وكأنني أعيش في قرية تربط بينك وبين الآخرين بضفيرة طويلة، فتُشعرك وكأنك مرتبط رغمًا عنك بالآخر حتى وإن كنت لا تعرفه، فأنت مرتبط به وبأفكاره عنك. يخاف أهلها من كل جديد ومن كل ما يعتبرونه غير مألوف. ويصفها الغريب بأنها محافظة ومُملّة. يعرف الجميع هنا السلالة العائلية، من تزوج من، من طلّق من، وهي معلومات تندرج تحت إطار "النميمة". هذا هو حال المدن الصغيرة، وكأنها صفة ملازمة لها، صفة تجلب معها الكثير من المحبة والحرص والضغط الاجتماعي في آنٍ واحد.
لا أعرف كيف أُحدّد مشاعري تجاه هذه المدينة، التي يؤجل تطورها إلى أجل غير معروف ولأسباب مجهولة. تكاد تختنق من صغرها ولكنك تشعر بالأمان بفضل دفئها. صِغرها يجعلني أشعر أحيانًا بأنها لا تتسع لي، كأنها أضيق من أن تتسع لأحلامي وطموحاتي، من أن تمنحني المساحة لأكون المرأة التي أريد أن أكونها.
أريد أن أعيش في مدينة بمساحات عامة اّمنة للنساء، أسبح في شواطئها العامة النظيفة، مدينة تملأ الموسيقى شوارعها حيث يغني الناس فيها ويرقصون، مدينة تحب الحياة ولا تخشاها. أريد مدينة تشبهني وأشببها، مدينة بتجارب ومسارات وطبقات مختلفة ومتنوعة.
رغم هذه الرغبات، اخترت أن أرسم حاضري فيها. في عام 2017، وبعد أن قضيت شهرًا في القاهرة، حيث تطوعت في مركز فني للعلاج النفسي عبر الدراما، عدت إلى المدينة وقد عزمت على افتتاح مركز ثقافي في هذه المدينة المُهمَّشة، لأن أغلب النشاطات الثقافية كانت تحدث في العاصمة. جعلتني تجربتي في القاهرة أصل إلى اليقين بشأن ما أريده، فأدركت أنني أرغب بممارسة عمل يجمع بين الناس والفن.
قررت أنا وأختي إعادة إحياء سينما "إشبيلية"، التي افتتحها والدي عام 1980 وأُغلقت أبوابها عام 2008، بعد انتشار فكرة "المول" الذي يضم صالات سينما أحدث وتوفر آلات الفيديو، التي أتاحت للناس مشاهدة أحدث الأفلام في بيوتهم. في سينما "إشبيلية"، شاهد أحدهم فيلمًا للمرة الأولى في حياته، واختبأ آخر فيها من الاجتياح الإسرائيلي للمدينة، وفيها اعتلى المغني فضل شاكر المسرح للمرة الأولى.




بالطبع، لم تكُن إشبيلية هي صالة السينما الوحيدة في المدينة، بل كانت هناك صالات أُخرى افتُتحت في الأربعينات وأُغلقت في أوائل الألفية الثالثة، مثل سينما "هيلتون"، و"ريفولي"، و"شهرزاد الحمرا"، و"غرانادا" و"الكابيتول" وغيرها. ولكن المدينة خلت تمامًا من دور السينما بسبب الأزمات الأمنية والاقتصادية في البلاد.
ما زال كبار السن يذكرون "الحجّة ديبة"، التي كانت تمشي في أحياء "البلد القديمة" بدءًا من أربعينات القرن الماضي وحتى الستينيات، حاملةً الميكروفون لتعلن عن موعد العروض السينمائية. كان يظهر رجل أعرج برفقتها، يدق هو الجرس لجذب انتباه الناس بينما هي تقول "اليوم بعد الظهر في سينما أمبير عرض للسيدات فقط". كما يذكرون محمد المُلقَّب بـ"السقّا"، وهو المسؤول عن تشغيل الأفلام في سينما "ريفولي"، وكان يقصّ المشاهد التي يعتبرها هو "خادشة للحياء" بينما ينهال الجمهور عليه بالشتائم.
حين قررت أنا وأختي إعادة إحياء "إشبيلية"، لم يكُن دافعنا رومانسيًا كما قد يُخيَّل للقارئ. لم يكُن بدافع الحنين وحده، رغم أن أعياد ميلادي كثيرًا ما أُقيمت في هذه السينما وكنت أدعو أصدقائي لمشاهدة الأفلام مجانًا فيها. الحقيقة أنني كنت أبحث بعد تخرجي من الجامعة عمّا أريد عمله بالفعل.
كان القرار أشبه بالقفز في البحر دون أن نتقن السباحة، فنحن لم نعمل يومًا في المجال الثقافي أو الفني، لكننا كنّا مصرّتين على إعادة إفتتاحها. ذهبت للتعرف على العاملين في مجالات السينما والمسرح ودعوتهم ليروا السينما، تواصلت مع فنانين وفنانات و شركات توزيع أفلام، ومن ثم استطعنا، شيئًا فشيئًا، أن نبني شراكات ساعدتنا على تنفيذ برمجة فنية متنوّعة.
ومن ثم أضفنا إلى السينما مقهىً وأماكن للعمل المشترك وتعزيز الإنتاجية وغرفًا للاجتماعات، حتى تحوَّل هذا المكان من سينما مرتبطة بالماضي والذكريات إلى فضاء حيّ وحيوي يتسع لأحلامنا ويحتضن المدينة، وربما يمنحها نافذة جديدة على العالم ويمنحني أنا بعض البراح. هكذا أصبح أقرب إلى مكانٍ يشبهني، ولولاه لبقيت في فقاعتي، ولم أكُن لأتعرف على أهل مدينتي عن كثب، ولم أكُن لأعرف هوياتهم وتوجهاتهم المختلفة. يقول لي أحد رواد "إشبيلية" إنها أشبه بـ"مكانٍ مواز في المدينة، التي امتلأت بالمطاعم وأماكن تدخين النرجيلة".
اليوم، وبعد مرور سبع سنوات على إعادة إحياء السينما، أتأمل في المشوار وأتذكر مراحل عديدة مررنا بها، مثل الانهيار الاقتصادي ووباء كورونا و انفجار مرفأ بيروت عام 2020، وكلها أحداث أعاقت قدرتنا على تقديم البرامج المستمرة تارة، وأجبرتنا على إلغاء العروض أو إغلاق أبواب السينما لبضعة أيام تارة أخرى.
أذكر اليوم الذي أتى فيه شخصان فقط، وعرضنا لهم الفيلم. وأذكر تلك المرات التي واجهنا فيها مشكلة تقنية أثناء عرض كنت أنا المسؤولة عن تشغيله، فأصابتني نوبات هلع للمرة الأولى في حياتي. أذكر الشك والتعب والتحديات والرغبة في الاستسلام والتساؤل عن الجدوى والبكاء وفقدان الرغبة بالنهوض من السرير. بيد أنني أنهض حين أذكر شكر الناس لنا وقولهم إن "إشبيلية" أصبحت "بيتهم الثاني"، وإننا منحنا هذه المدينة مسارًا آخر وسردية جديدة.
لا أعلم مصير "إشبيلية" ولست متأكدة إن كنت سأبقى في صيدا أم لا، ولكنني متأكدة من أن هذه الرحلة، التي أتمت اليوم سبع سنوات، علَّمتني الكثير عن نفسي وعن قدراتي وأحلامي ومدينتي التي هي مثلي تمامًا، فهي أيضًا تستطيع أن تكون كما تريد إن هي أرادت!



مشروع حياة وملهم يا هبة ♥️ اصبحت إشبيلية على قائمة امنيات السفر الخاصة بي
في القاهرة سينما تُسمى "زاوية" تم إغلاها لفترة ثم تم افتتاحها وأنا كنت في الثانوية العامة في ٢٠١٥ ل ٢٠١٧. إيجاد مكان لإجتماع الافكار بمغزى نقاشها ليس لمجرد الربح كان سبب إساسي في تعزيز تفكيري في هذه الفترة. متأكد أن هذا العمل ليس سهلاً ولكن من الممكن أن يغير حياة أشخاص فكرياً لدرجة كبيرة. وأنا أذكر كثير من المرات وأنا أشاهد الفيلم لوحدي أيضاً :)