عزيزتي نادين لبكي
عزيزتي نادين،
أكتب إليك لأعبر لكِ كم أن للحياة طعمًا مختلفًا بوجود فنانات مثلكِ فيها.
في كل مرة أشاهد أعمالك أشعر أنكِ لا تقدّمين فنًا وحسب، بل تعيشينه وتكرّسين روحك كاملة كي تخلقي شيئًا حقيقيًا وإنسانيًا.إصرارك على تقديم الحياة من منظور فني وروحاني يجعلني ممتنة لوجود أناس مخلصين للفن هكذا… يحبونه بصدق عميق.
لا أجاملكِ، وأظن أنك لستِ من أولئك الذين يحبون المجاملات وأحب أن أفترض أنك ستقرأين مدونتي وخطابي لكِ.
خطابي هو محاولة تجسيد شعوري عنك… وعنّي… وعن فيلمك وحشتيني.
شاهدت اليوم فيلمك وحشتيني، تلك الرحلة السينمائية التي تأخذنا إلى قلب سو، الشخصية الرئيسية التي تلعبين دورها ببساطة موجعة. سو تعود إلى مدينتها الأم، تبحث عن نفسها وسط شوارع تعرفها وتجهلها في آن. الفيلم بأكمله أشبه بحوار طويل لم يحدث أبدًا بين سو وأمها؛ كل ما لم يُقل، كل المجاملات التي لم تسمعها في الحقيقة، كل الأحضان التي لم تحصل عليها، صاغتها سو في خيالها لتصنع واقعًا بديلًا يعزيها عما فاتها. تفتح لنا الكاميرا نافذة على علاقتها بصورتها القديمة، تلك الفتاة الصغيرة التي كانت يومًا ما مليئة بالحياة والفضول، وتضعنا أمام تساؤل مؤلم: هل يمكننا يومًا أن نتصالح مع تلك النسخة القديمة منا، حتى لو لم يغفر لنا الآخرون أو لم يغفروا لأنفسهم؟
وأنا أشاهد وحشتيني، فكرت كثيرًا في آخر الأحاديث مع هؤلاء الذين يعنون لنا الكثير في حياتنا.
كيف أن كلمة (closure) أحيانًا تنتزع من العلاقات معناها ودفئها، وكأنها تبرير ضروري لإنهائها وفهم سبب نهايتها. فيلمك جعلني أشعر بأهمية المواجهات الحميمة… بالكلمة الأخيرة التي لا تُقال لإغلاق الحكاية، بل لفتح باب للتصالح والحب.
مثل سو – شخصيتك – حياتي أيضًا رحلة مستمرة للبحث عن نفسي.
لو تخيلتُ نفسي في سيارة منطلقة على طريق طويل وأنا أقودها، سيكون معي ثلاثة أشخاص غيّروا حياتي كثيرًا، لكنني سأُجلس أمي إلى جانبي.
سأقول لها كم أفتقدها.
سنتحدث سويًا عن كل ما عجزتُ عن قوله يومًا قبل رحيلها من الحياة.
ربما هذا هو الخط التمثيلي الذي لمسني بعمق… فكرة أننا مهما كبرنا نظل في حاجة إلى حضن أمهاتنا وكلامهن ووجودهن وكلمة "وحشتيني" مهما كانوا سبب في جرح عميق لدينا.
لو كان لحياتي لونًا، لكان رماديًا.
لطالما انتقدت هذا اللون يا نادين… كنت أراه لون النفاق، لون الغموض، لون الأشياء التي لا تكتمل وضوحًا ولا تصير نورًا ولا ظلامًا. لكني الآن مرتاحة معه تمامًا.
ولكني الأن أدرك
الرمادي لا يعني كل هذا
فهو لون الحياة بعد عاصفة قوية.
لون لحظة الهدوء التي تسبق شروقًا جديدًا.
لون كل ما تبقى بعد انطفاء الصخب وعدم الوصول للسلام
لون يحمل معني قرب قدوم الأمل والشفاء
ولو أضفتُ موسيقى لحياتي هذه الأيام، لاخترتُ أغنية شيكا بيكا لسعاد حسني، عند مقطع:
أنا راح مني كمان حاجة كبيرة.. أكبر من إني أجيب لها سيرة
هذه الجملة تختصر شعوري:
هناك أشياء في الحياة أكبر من قدرتنا على وصفها أو حتى تقدير قيمتها.
تبقى صامتة في القلب… لكن وجودها ثقيل وحقيقي.
لدرجة أنني لا أريد أن أتخلص من هذه القيمة، أخاف ان أتحدث عنها فتتبخر قيمتها في الهواء يا عزيزتي نادين.
أحاول أن أفهم ما هو النضج، وما هو الفقد، وما معنى أن أكبر وأستقبل الحزن والألم كما كتب جلال الدين الرومي في بيت الضيوف: أن كل شعور ضيف يحمل معه درسًا.
والفن، كما في فيلمك، يجعلني أؤمن أن للألم قيمة… وأنه يومًا ما، سنستطيع أن نحوله لشيء أجمل؛ كلمة أو لوحة أو مشهد فيلم.
كنت أسرح مع دموعك وأنا أشاهد الفيلم…
في الشوارع، في الألوان، في الموسيقى، في الشوارع القديمة.
فكرت كيف لو بدّلت كل شيء في حياة سو بحياتي أنا – مي – سأبتكر مشاهد جديدة ربما وأحتفظ ببعض المشاهد.
لأن الفن الحقيقي يفعل ذلك… يمنحنا مفتاحًا لنكون موجودين، لنشعر، وندرك أن أوجاعنا ليست عبثية… لها قيمة، ولها معنى.
شكرًا لأنكِ تذكريني بذلك.
شكرًا لوجودكِ.
وشكرًا على فيلم لمستِ قلبي به كثيرًا.
مودتي،
مي


