مشروع أم - الجزء الثالث: الطفل التجربة
تأشيرة السفر ذلّ لا بدّ منه أحيانًا. ولمّا تأخّرت التأشيرة الدائمة في الصدور، اضطررنا إلى تقديم طلب للحصول على تأشيرة زيارة، وهي التأشيرة التي دخلت بها إلى أستراليا أوّل مرة.

وبما أنني كنت في أستراليا بصفتي سائحة ليس عليها ما على المواطنين والمقيمين من واجبات، فلم أكن أتمتّع بما يتمتعون به من حقوق أيضًا، وبالتالي لم أكن مؤهلة للاستفادة من التأمين الصحي الحكومي، ممّا يعني أنني إن حملت فسيكون عليّ الولادة على نفقتي الخاصة. ومن يعرف تكلفة الرعاية الصحية في الدول التي يُفترض أنها متقدمة يعرف أنّ هذا ليس خيارًا عمليًا، فولادة طفل في مستشفى، حتى لو كانت ولادة طبيعية من دون أيّ تعقيدات، قد تتجاوز تكلفتها الثلاثين ألف دولار أسترالي، أي حوالي عشرين ألف دولار أمريكي، وإن لم تكن على قائمة أثرى عشر عائلات في بلد ما فسيكون هذا خيارًا سيئًا على الأرجح. الحل الواضح لذلك طبعًا هو شراء تأمين صحي خاص، لكن -كما هو معروف- فترة الانتظار لتغطية تكاليف الحمل والولادة على التأمين الخاص لا تقل عن سنة. وهكذا، لم يكن أمامنا خيار سوى أن نشترك في التأمين الخاص ونؤجّل الحمل حتى التأكد من أنّ الولادة ستكون بعد انقضاء فترة الانتظار، أو بعد صدور التأشيرة الدائمة، أيهما أسبق.
وهكذا، تدخّلت سياسة الدولة مجددًا في قرارنا لخوض تجربة الأمومة والأبوة. وبمناسبة الحديث عن الأمومة والأبوّة، اسمحوا لي بأخذ فاصل قصير لذكر قصة أعتقد أنها تستحق التوثيق، وإن كنتم ممن لا يحبون الفواصل والاستراحات فيمكنكم تجاوز الفقرة التالية إلى ما بعدها.
قبل بضع سنوات عبّرت شركة مختصة بمنتجات الأطفال في إحدى الدول العربية عن انزعاجها لعدم وجود مصطلح محايد في اللغة العربية يعبّر عن الأمومة والأبوّة معًا، على غرار مصطلح parenthood في الإنجليزية، فأعلنَت -على سبيل الدعاية- أنّها ستتعاون مع بعض ”اللغويين“ لابتداع مصطلح يغطي تلك الحاجة الملحّة وينقذ الأمهات من إلقاء عبء التربية كاملًا عليهنّ، فالمشكلة في اللغة طبعًا وليس في أيّ شيء آخر، وكلّ ما نحتاج إليه هو مصطلح محايد بمجرّد أن يسمعه الآباء سيكتشفون أنهم معنيّون بالأمر أيضًا فيهرعون لتقاسم مسؤولية تربية الأبناء مع الأمّ بالتساوي. ويبدو أنّ هذه الشركة ولغوييها لم يسمعوا بمصطلح ”الوالديّة“ الذي يُستخدم بهذا المعنى والمعتمد في وثائق وترجمات الأمم المتحدة، أو أنهم أرادوا مصطلحًا يشمل الأمهات والآباء غير البيولوجيين أيضًا، أو أنّ فريق التسويق رأى في الأمر حملة دعائية مبهرة تستحق تجاهل كل ما يقف في طريق تنفيذها، بما في ذلك المنطق اللغوي. وهكذا، بعد فترة من العمل الدؤوب والمباحثات والمشاورات، أعلنت الشركة في فيديو مزلزل على اليوتيوب توصّلها إلى مصطلح عبقري يحقق الهدف المطلوب، ليُرفع السّتار عن مصطلح ”الأموبوّة“، مع الإشادة بالجهود المخلصة التي توصّلت إلى هذه الجوهرة اللغوية الثمينة رغم اعتراضات من وصفوهم بـ”المحافظين المتشددين“، ولو تحمّسوا أكثر ربّما كانوا سيصفونهم بالداعشيين الظلاميين. لكن، ولله الحمد، ماتت هذه الكارثة اللغوية في أرضها ولم يُسمع للمصطلح ذكر منذ ذلك الحين خارج الفيديو المذكور وبعض التغريدات الساخرة على موقع توتير التي مسحت بالشركة وابتكارها المبدع بلاط مجامع اللغة العربية كلّها.
أعود إلى معضلتنا في ذلك الوقت. كان علينا بطبيعة الحال أن نؤجّل مسألة الإنجاب حتى تسمح شركة التأمين أو الحكومة الأسترالية بذلك. لكنّ هذا السبب الذي يبدو وجيهًا جدًا لم يكن مقنعًا لجميع الناس، فأنت امرأة في الثامنة والثلاثين وقد أضعت مسبقًا عامًا من الزواج دون إنجاب، لا عذر لك ولا سبب يجعلك تؤجلين الأمر أكثر. طبعًا، لم نكن مطالبين بإقناع أحد، لكن في الوقت نفسه لم يكن بوسعنا منع النصائح والاقتراحات العابرة للقارات. وإن كنتِ فتاة تزوجت في عمر متقدم نسبيًا، أو في أيّ عمر، حتى لو في العشرين، فلا بد أن تكوني سمعتِ كل أنواع النصائح والنظريات حول تعجيل الإنجاب. لكن تبقى أكثر تلك النظريات غرابة بالنسبة إليّ تلك التي تحثّك على إنجاب الطفل الأول فورًا للتأكّد من أنه ليس لديك أنت أو زوجك مشاكل في الإنجاب، وبعد ذلك يمكنك تأجيل إنجاب بقية الأطفال كما شئت، دون اعتبار لما سيحلّ بفأر التجارب المسكين.
بدأتُ أسمع نصائح من هذا النوع منذ بداية زواجي، مع العلم أنّ إبراهيم كان سيعود إلى أستراليا بعد ثلاثة أشهر من زواجنا ولم تكن لدينا فكرة متى يمكنني اللحاق به. أتخيل الآن كم كانت حياتي ستختلف لو أنني أصغيت إلى تلك النصيحة، ومع أنّ ما كان سيحدث يدخل في علم الغيب ولا يمكن لأحد الجزم به، إلّا أنه لا يمكنني تصوّر السفر إلى بلد لا أعرفه وأنا أحمل على يدي طفلًا حديث الولادة، فيكون عليّ التأقلم مع المكان الجديد ومع كوني أمّا للمرة الأولى في آن واحد، فالحمد لله على ما كان فعلًا وما جرت به الأقدار!
لكنّ النظرية الأكثر خطورة من نظرية ”الطفل التجربة“ هي تلك الفكرة التي يُنصح بها الأزواج والزوجات الذين تبدأ حياتهم معًا بداية متعثرة، فتجد من يقنعهم بأنّ إنجاب طفل هو الحل الأمثل لمشاكلهم. تخيلوا كمية الظلم الكامن في إلقاء عبء إصلاح علاقتك بزوجك أو زوجتك على طفلك من قبل أن يُولد! ولا أدري من العبقري الذي تفتّق ذهنه عن فكرة أنّ وجود طفل حديث الولادة يمكن أن يحسّن العلاقة بين زوجين سيكون عليهما التعامل في الوقت ذاته مع قلة النوم وما يتبعها من عصبية وتكدير مزاج، والأعباء المادية الجديدة، وهرمونات ما بعد الولادة التي قد تجلب معها كل أنواع الكآبة. في رأيي المتواضع والذي قد لا يعني شيئًا لأحد، إن كانت علاقتك بشريك حياتك جيدة فيمكن للطفل أن يجعلها أفضل، وإن كانت سيئة فيمكن أن يجعلها أسوأ، ولكلّ قاعدة شواذ طبعًا، لكنّ التوقّع الأقرب للمنطق هو أنّ وجود طفل سيشكّل مصدر ضغط على الزوجين وعلى العلاقة الزوجية. أمّا نظرية الطفل السحري الذي سيحلّ كل المشاكل بين أبويه ويصلح حالهما، فلا أقول إنّها مستحيلة، لكنّي لم أسمع بأحد اتّبع هذه النصيحة ونصح بها أحدًا بعد ذلك.
لن يتوقف الناس عن التدخل والتطفل وإسداء النصائح، لكنهم لن يربّوا ابنك أو يصرفوا عليه نيابة عنك، كما أنّهم -ولحسن الحظ- لن يستطيعوا إنجابه نيابة عنك أيضًا. أليس جميلًا أن يكون شيء ما بيدك، ولو جزئيًا؟
بأيّ حال، صدرت التأشيرة الدائمة بعد ثلاثة شهور، وأصبح بمقدورنا القول إننا لا نمانع الإنجاب الآن، وإن لم نكن في عجلة من أمرنا. تظنون أنّه لم يعد هناك سبب للزنّ والإلحاح بالنصائح والاقتراحات؟ كلا طبعًا، لكنّ تلك قصة ليوم آخر!


