هل يساعدنا السّفر في حلّ مشاكلنا؟
خلال جولتي الآسيوية المُصغّرة في أنحاء جنوب آسيا وجنوب شرق آسيا، مررت بجزيرة بالي، وهي جزيرة سياحيّة عُرفت لدى الكثيرين من التونسيين كمقصدٍ للعرسان الجدد لقضاء شهر العسل.
بعد إنتاج فيلم Eat Pray Love، الذي لعبت فيه جوليا روبرتس دور امرأة أمريكيّة قرّرت السفر بعد طلاقها إلى إيطاليا للأكل، وإلى الهند للتأمّل والصلاة، ومن ثم إلى بالي حيث تعرّفت على حبيبها الجديد، أضحت بالي محجًا للمشاركين في خلوات اليوغا و«التشافي»، ومقصدًا لمن يرجون الخلوة بأنفسهم و«إيجاد الأجوبة» أو السكينة. في كلّ زاوية فيها، تجد من يقرأ الكفّ أو يعدك بالتشافي بواسطة الطاقة عن بعد أو ما يُسمّى بـ pranic healing، والتأمّل، وغيرها من الأدوات.
كان ولا يزال للفيلم تأثير كبير، حيث ازدهرت السياحة بشكلٍ لافتٍ بعده، ولنا فقط أن نتذكّر، في سياقنا العربي، تأثير مسلسل «نور» التركي وتهافت العرب على إسطنبول ما بين عامي 2009 و2010 على ما أذكر. الطريف في الأمر أنّني زرت بالي بعد الهند مباشرةً، وقد أشار لذلك زميلي من تايوان وقال لي: «استمتعي بنسختك من Eat Pray Love». الحقيقة أنّني نسيت تمامًا أمر الفيلم، ربّما لأنّ زيارة بالي كانت لم تكُن ضمن مخططاتي، وقررت الذهاب في آخر لحظة حين كنت في قطر قبل رحلتي إلى الهند بأيام. كما أنّني لم آكل البيتزا كما فعلت جوليا، ولكنّي أكلت أطيب المأكولات من اليمن في سوق واقف في الدوحة.
كثرة الإقبال على بالي وأمل قاصديها في التشافي أعادا إلى ذاكرتي الفخ الذي وقعت فيه شخصيًا في عام 2024، حين كنت أعاني من قلقٍ مبالغٍ فيه، ما أثّر على صحّتي النفسية. حين رأتني أختي العزيزة في تلك الحالة، ظنّت أنّ رحلة بمفردي لأرتاح وأمتنع عن العمل لمدّة قصيرة قد تكون حلًّا مناسبًا، لأنّها تعرف مدى شغفي بالترحال والسفر.
سافرت حينها إلى المغرب، البلد الذي أحبّه وأعرفه جيدًا، ما يعني أنني لن أستصعب التوغّل فيه، بل أصبح كبلدٍ ثانٍ لي نظرًا لكثرة زيارتي له. لكنّ الرحلة عظّمت قلقي وزادت من مخاوفي، فأدركت حينها أنّ قلقي سافر معي، بل واتّخذ له مقعدًا على درجة البزنس كلاس ومساحةً أوسع في رأسي. أدركت أنّني أخطأت حين ظننت أنّ وجودي بمفردي لأسبوع في مكان أحبّه كان سيشفي اكتئابي، بل إنّه زاد الطين بلّة، فأنا لست ممّن يتجنّبون المواجهة، وفي هروبي لم أتوقف عن التفكير الزائد عن حده.






حين نظرت من حولي في بالي إلى وعود التشافي التي تملأ الشوارع، عاد لي الإحساس بعدم الراحة الذي شعرت به خلال رحلتي أنا، وكأنّه تذكير بماضٍ ليس ببعيد. أدركت أنّ مشاكلي تسافر معي، تملأ حقائبي، ولا ترحل إلّا بعد مواجهة، أحيانًا طيّبة وأحيانًا أخرى مؤلمة. لا أعرف إن كان السفر يساعد آخرين في إيجاد الحلول أو الشعور بتحسّن ما إذا كانوا يعانون من توتّر. سألت إحدى المقيمات في النزل هذا السؤال، وقالت إنّها هناك لتواجه ذاتها، فالبعد عن الروتين يسمح لها أن تختلي بأفكارها وتنتبه لها، حيث لا دوام، ولا زوج، ولا أطفال، ولا أي مسؤوليات أخرى، لا تجد هناك سوى الراحة وفرصة للحوار مع الذات.
أما أنا، فلا أرى الأمر بنفس الطريقة. نعم، السفر قد يريح الأعصاب، ويمنحنا مهلة وكأنّه أوقف الزمن، ولكنّه لا يحلّ مشاكلنا. وجدت السفر مفيدًا دائمًا في توسيع الآفاق والنظر للأشياء من منظور آخر، وهو تجربة ملهمة بالنسبة لي إلى حدٍّ كبير. بين وجهة وأخرى، في ذلك الحيّز الزمني في الطائرة، أو المطار، أو الحافلة أو غيرها، أجد نفسي أكثر تركيزًا وتفكّرًا، وكأنّها خلوة بالنفس على علوّ 30 ألف قدم. عادةً ما أكتب مذكّراتي أو مقالاتي هناك، أسأل نفسي، والله، الأسئلة المهمّة، وأحيانًا أسمع همسات توحي لي بإجابة. ربّما يساعدني السفر في إيجاد الأجوبة في نهاية المطاف، ولكنّه لا يحلّ مشاكلي، لا في بالي، ولا في الهند، ولا حتى في سوق واقف في الدوحة.


Well said