مشروع أم - الجزء الثامن: أردوغان في غرفة العمليات
لنراجع ما حدث.
تحريض مخاض متكرر، ولادة متعثرة، عنق رحم مغلق تمامًا، جسم يحاول حماية الطفل من شيء مجهول، وطبيبة تخبرني بأنّنا استنفدنا كل الوسائل وأنّ أسلم الحلول الآن هو اللجوء إلى عملية قيصرية.
هززتُ رأسي باستسلام، ثمّ ومن حيث لا أدري انهمرَ مني شلال دموع مصحوب بشهقات من البكاء. انحنى زوجي فوق رأسي محاولًا تهدئتي، وشاركَته في ذلك الطبيبة والقابلة التي بدت مستغربة من رد فعلي العنيف. وصدقوني حين أقول لكم إنني أنا أيضًا كنت مستغربة من نفسي، لكنّني فهمته لاحقًا حين أدركتُ أنني استعددت لكلّ شيء خلال فترة الحمل، لكنني لم أضع العملية القيصرية ضمن حساباتي بتاتًا. كنت متأكدة أنني سألد ولادة طبيعية، ولِمَ لا؟ أمي ولدتنا أنا وإخوتي الثلاثة جميعًا ولادة طبيعية، حتى أنا التي خرجتُ إلى العالم مسحوبة من قدمَي! أختي أيضًا ولدت بناتها الثلاث ولادة طبيعية خالية من المشاكل، فلماذا أكون أنا مختلفة؟ ناسية تمامًا القاعدة الأولى: كلّ حمل يختلف عن غيره.
لكنّ ذلك لم يكن السبب الوحيد. السبب الآخر الذي لم أفهمه هو شعوري بأنني فشلت. لقد خذلتُ ابني قبل ولادته بعجزي عن ولادته ولادة طبيعية، إذًا أنا أمّ فاشلة قبل أن أصبح أمًّا. يبدو كلامًا مشينًا، وهو كذلك، لكنّه ما شعرتُ به، فتمزقتُ بين شعوري بالفشل وشعوري بالصدمة من شعوري بالفشل. متى نبتت هذه الأفكار المتخلفة في رأسي من دون أن أشعر؟ لم أنظر في حياتي إلى من تلد بعملية قيصرية على أنها أقل أمومة ممّن تلد ولادة طبيعية، وأعرف أنّ الولادة القيصرية ليست طريقة أسهل للولادة، إنها جراحة كبرى يتطلب التعافي منها أسابيع طويلة. أعرف كلّ ذلك جيدًا، لكنّني حين وُضعت في هذا الموقف، حاكمتُ نفسي بذنب ما هو بذنب.
يبدو أنّ شعور الذنب في الأمومة يبدأ أبكر ممّا نتصوّر!
لاحقني ذلك الشعور بالصدمة لأشهر بعد الولادة، ولم أستطع تجاوز الأمر تمامًا إلّا بأصعب طريقة ممكنة، حين اندلعت الحرب على غزة بعد أشهر من ولادتي وبدأت أسمع عن نساء يضعن مواليدهنّ بعمليات قيصرية من دون تخدير أو رعاية طبية ملائمة، فتحوّل شعوري بالصدمة إلى شعور بالخجل والخزي من الصدمة المتوهّمة والمترفة التي كنت أعيشها، فها أنا قد وضعت طفلي في مستشفى حديث تتوفر لي فيه كل وسائل الراحة، تحت رعاية طاقم طبي عالي الكفاءة، في عملية سلسة خرجت منها أنا وطفلي بصحة ممتازة، ومع ذلك ما زلت أعيش حالة صدمة بعد شهور لأنني لم ألد بالطريقة التي كنت أتوقعها! يا أختي استحي...
على كل حال، تمّ تصنيف عمليتي على أنها ولادة قيصرية شبه طارئة، ومن حسن الحظ أنه لم تكن هناك حالات ولادة طارئة فتمّ تجهيز غرفة العمليات وإدخالي إليها بأسرع ممّا توقعت، إذ بالكاد كان لديّ وقت لدخول الحمّام وإكمال نوبة البكاء قبل أن أخرج لأجدهم يضعونني على السرير ويدفعونه إلى الخارج.
حين وصلنا إلى غرفة العمليات طلبوا من زوجي البقاء في الخارج إلى أن يتم إنهاء إجراء التخدير. لم أسأل لماذا وما زلتُ لا أفهم السبب حتى الآن، لكنني تذكرتُ ما قاله لي طبيب التخدير قبل ذلك ببضعة أعوام حين أجريت عملية لركبتي: "حين يركّبون لك حقنة التخدير، تنتهي العملية بالنسبة إليك". صحيح أنني هذه المرة سآخذ تخديرًا نصفيًا فقط، لكن ما زلتُ أعتقد أنّ التخدير من أكثر أجزاء العملية حساسية ودقّة، ليس أخطر من فتح سبع طبقات من الجلد والأحشاء طبعًا، لكنّه يتطلّب تركيزًا عاليًا وبعض الوقت للتأكّد من أنّه تم إجراؤه بشكل صحيح لا يعرّض المريض للخطر، وهذا شيء يُحسب لأطبّاء التخدير الذين يتعرّضون لكثير من السخرية من أطباء التخصصات الأخرى، من باب أنّ مهمة طبيب التخدير تنتهي قبل أن تبدأ العملية ثمّ يقضي بقية الوقت يلعب بهاتفه. لكنّ طبيب التخدير لعب دورًا مهمًا آخر خلال الولادة، سيأتي بيانه لاحقًا.
بدأ التخدير يأخذ مفعوله وبدأت أفقد الشعور بقدمَي. كان ذلك سببًا إضافيًا للتوتر بالنسبة إليّ، فقد جئت إلى المستشفى أنوي الولادة بشكل طبيعي من دون إبرة تخدير لأنني لا أحب أن أفقد السيطرة! درس آخر يذكّرني بأنك مهما حاولت فلن تستطيعي السيطرة على كل شيء في حياتك، وها أنت الآن يا مسيطرة تتحولين إلى جذع شجرة يدحرجه الممرضون من سرير إلى آخر وكرامتك مرهونة بأنبوب قسطرة! لكنني ذكّرت نفسي بما قالته لي طبيبتي في اليوم السابق: "حين تدخلين إلى قسم النسائية والتوليد، عليك ترك كبريائك عند الباب!"
كنت أرتجف من الرعب وأنا أستلقي على سرير العملية عاجزة عن الحركة، بينما أنظر نحو الباب وأسألهم "أين زوجي؟" كما لو كنت طفلة تائهة عن عائلتها. كم أشعر بالغباء حين أتذكّر كلامي قبل أن أتزوج، حين كنت أقول إنني لا يمكن أن أسمح لزوجي بأن يدخل معي إلى غرفة الولادة ليراني في تلك الحالة المزرية، كأنني سأنجب طفلًا يخصّني وحدي أو "ربحته في بكيت الشيبس" حسب تعبير إحدى الصديقات. من السهل عليكِ التنظير حول شيء لم تعيشيه، حتى إذا أصبحت في قلب التجربة اكتشفتِ أنّ العلاقات الزوجية أعمق من أيّ شيء يمكن أن يصل إليه مشرط الجراحة.
مرّت ربع ساعة تقريبًا قبل أن يسمحوا لزوجي بالدخول، وفي تلك الربع ساعة دار أغرب حوار خضته في حياتي.
كانت غرفة العمليات تعجّ بأشخاص لا أعرف ماذا يفعلون بالضبط، لكن من الواضح أنّهم كانوا جميعًا من الطاقم الطبي ولكل منهم وظيفة محددة، وكانت إحدى المهمّات غير الرسمية على ما يبدو هي محاولة إلهاء المريضة وجعلها تفكّر في شيء آخر غير أنّهم سيشقّون بطنها ويخرجون منه إنسانًا كاملًا خلال دقائق. وقد تصدى لهذه المهمة النبيلة في حالتي ممرض سمِح الوجه، يبدو أنّه مهاجر من إحدى دول جنوب آسيا، ولمّا كان واضحًا أنني مهاجرة أيضًا قرر أن يستخدم ذلك كموضوع للدردشة وتبديد التوتر:
- "من أين أنت في الأصل؟"
- "من الأردن."
- "آه... هذه التي تقع بالقرب من تركيا؟"
- "هي بعينها."
- "تعرفين أنّ الأتراك انتخبوا رئيسهم لولاية ثانية؟"
- "نعم، سمعت."
- "ما رأيك في ذلك؟"
تخيلي معي أختي القارئة: أنت مستلقية على سرير عمليات لإجراء عملية قيصرية بعد محاولات ولادة طبيعية متعثّرة، لإخراج طفلك الذي لا تعرفين ما الذي يفعله في الداخل ولماذا يرفض الخروج، ثمّ وسط هذا الرعب يظهر شخص ترينه لأوّل مرة في حياتك ليسألك عن رأيك في حزب العدالة والتنمية التركي! أحلام العصاري...
وبما أنّ الوقت لم يكن مناسبًا لمناقشة الانتخابات التركية وتداعياتها على اللاجئين هناك، وبما أنني لا أعرف هذا الشخص وانحيازاته السياسية وما إن كانت إجابتي ستجعله يأخذ مني موقفًا قد يؤثر على أدائه في عمله، أجبت: “ليس لي رأي في الموضوع”، مع نظرة أظنّ أنها أوصلت له شعوري بدقة، فانسحب من المشهد بهدوء لتأخذ مكانه ممرضة تتمتع بقدر كافٍ من الذكاء العاطفي -الذي فضّل الله به عموم النساء على عموم الرجال، كما يبدو لي- فراحت تسألني عن عائلتي ومن منهم موجود هنا ومن سيساعدني خلال فترة ما بعد الولادة، حوار منطقي متسق مع الأجواء نجح في تشتيت انتباهي إلى أن وصل زوجي أخيرًا، وبدأ الجدّ...
يتبع



جزء جديد!
ضحكتيني بجزئية الذكاء العاطفي، لأني كاتبه مقالتين عن هذا الموضوع وتحديدًا الفرق بين النساء والرجال فيه.