أتذكّر أنني قبل أن أتزوج وأنجب، كنت أضع ابن أخي الصغير في حضني وأجلس به أمام التلفزيون وهو يشاهد أغانيه المفضلة، وأفكّر بيني وبين نفسي أنّ هذا ما أريد فعله بقية عمري: أن أنجب أطفالًا وأقضي كلّ وقتي أشاهد معهم أفلام الكرتون وأمسح المخاط عن وجوههم. لقد عشت وسافرت وعملت كثيرًا، وأنا مستعدة الآن لتكريس كلّ وقتي لأطفالي -إن كتبهم الله لي وكنت أملك خيار ترك العمل طبعًا. ماذا قد أريد أكثر من ذلك؟
لا أعرف من أين تأتينا فكرة أنّ الأمومة ستحوّلنا إلى أشخاص مختلفين. صحيح أنّك لن تبقي الشخص نفسه بالضبط، فذواتنا تتجدّد مع كل تجربة كبيرة أو تغيير جذري في حياتنا، لكن هذا لا يعني أننا نصبح أشخاصًا آخرين، بل قد تجدنا مع التغييرات الجديدة نتمسّك أكثر بذواتنا القديمة ونأبى أن نخسرها بشكل كامل، لأننا في الجوهر ما زلنا الشخص نفسه، حتى لو بدا كل شيء فينا مختلفًا. حين أفكّر في الأمر الآن، لا أجد أنّ الأمومة غيّرتني، مع أنها كانت ولا تزال أكبر نقلة في حياتي، أكبر من الزواج ومن الغربة ومن كل شيء. بقيت نفس الشخص، لكن بمسؤوليات وأولويات جديدة جعلتني أخرج قدرات كامنة لم أكن أعرف أنني أملكها. أمّا أنني أريد أن أضع طفلي في حضني وأقرأ له القصص وأشاهد معه برامج الأطفال طوال اليوم، فهذا محض خيال تخلّيتُ عنه بعد أسبوع من الولادة.
والأسبوع ليس بقليل حين تجدين نفسك في دائرة مغلقة من تحضير الرضعات وتغيير الحفاضات والتحميم والتنويم، حتى شعرت بأنّ دماغي سيصدأ ويتيبّس إن لم أستخدمه استخدامًا آخر. ولا أقصد هنا التقليل من أهمية هذه الأمور، فهي تستهلك طاقة ذهنية هائلة، إذ يكون تركيزك منصبًّا طوال الوقت على هذا الكائن الهشّ، في الصحو واليقظة، وقد تجدين إنه لا يمكنك التركيز ولا التفكير في شيء آخر، وهذا طبيعي تمامًا. الأمر ببساطة مسألة اعتياد، فأنا شخص يمارس الترجمة والكتابة منذ عشرين عامًا، لا يمكنني التوقّف فجأة، ما زلت أحتاج إلى تشغيل مخّي بهذه الطريقة. ورغم ظنّي بأنّي سئمت الترجمة كمهنة وكنت أرحّب بالتوقّف عن العمل، إلّا أنني وجدتُ نفسي بعد أسبوع واحد أخرج اللابتوب وأفتح ملفًا أراجع فيه مصطلحات ترجمة خاصة بعملي.
طبعًا، لم يكن منطقيًا أن أعود إلى العمل في ذلك الوقت، لكن مجرّد رؤية الكلمات ومراجعتها أعطاني شعورًا بأنني أقوم بـ”تزييت” مخّي وتفعيل أجزاء معطلة فيه. استطعتُ العودة إلى العمل تدريجيًا بعد شهرين تقريبًا، وهي مدّة أقصر ممّا توقعت، خاصة أنّ عزيز كان لا يزال في مرحلة قليلة المتطلبات، ينام معظم الوقت أو يرضى بالجلوس في كرسيه والتحديق فيما حوله من أشياء بدأت تتضح رؤيتها شيئًا فشيئًا.
لكن حين بدأ عزيز يكبر ويتحرّك وبدأت متطلباته تتعدى الأكل والنوم والمناغاة، أصبحتُ أنا أيضًا أشعر بأنني أحتاج إلى المزيد، خاصة حين عادت الرغبة في الكتابة تلحّ عليّ بينما معظم طاقتي الإبداعية موجّهة لابتكار وجبات طعام مناسبة لطفل بلا أسنان – وهو أمر يتطلب إبداعًا أكثر ممّا تتصورون، خاصة حين يكون ابنك “نفسه حلوة” على الأكل ويحبّ بطنه. والكتابة تختلف عن الترجمة، فالترجمة مهنة يمكن أن أقوم بها بينما أهزّ طفلي أو أحضّر طعامه، ولا مشكلة لديّ في أن أتخلى عنها إن وجدتُ مهنة أفضل. أمّا الكتابة فهي شيء أكبر من ذلك، وإن كانت مهنة فهي مهنة وحيدة تتطلّب العزلة والهدوء والتركيز الكامل، وهو أمر من الصعب تحقيقه بوجود أطفال، ودعونا من الكلام التحفيزي عن أنّ إنّ الأمومة ليست عائقًا أمام الإنجاز وإنه يمكن للأم أن تفعل كل ما تريد فعله وما إلى ذلك من هراء. طبعًا الأمومة عائق أمام الإنجاز، وعائق كبير أيضًا! أعرف أنّ كثيرًا من الأمهات يستطعن تجاوزه وتحقيق إنجازات مهمّة، لكنّ هذه بطولة منهنّ وليست شيئًا يجب توقّعه من الجميع. تخيّل أن تأتي إلى أمّ تعمل في وظيفة من التاسعة إلى الخامسة كلّ يوم ثمّ تعود إلى البيت لتطعم وتحمّم وتدرّس ثلاثة أطفال وتقول لها إنّها يمكن أن تحقق كل طموحاتها لو تحلّت ببعض الإرادة. لا أعرف كيف سيكون ردّها، لكنني متأكدة أنك ستستحقّه.
في الوقت ذاته، لا أقصد تثبيط همّتك والقول إنّ عليكِ الاستسلام للظروف إن كان هناك شيء ترغبين في إنجازه حقًا أو فكرة تريدين العمل عليها. ومع أنّ الأمومة قد تجعل ذلك أكثر صعوبة، إلّا أنها ستعطيك حافزًا إضافيًا لأنّ كل شيء تطمحين إليه الآن يصبح مرتبطًا بأطفالك وإعطائهم مزيدًا من الأسباب ليفخروا بك، ولو كانت أمومتك نفسها سببًا كافيًا لذلك. وتذكري دائمًا أنّ أطفالك لن يظلوا صغارًا متعلقين بطرف ثوبك إلى الأبد. باختصار، أنت أدرى بظروفك وبما تستطيعين أو لا تستطيعين فعله من أيّ شخص يقوم بالتنظير عليك أو تقريعك أو تثبيط عزيمتك، سواء وجهًا لوجه أو عبر الشاشات.
بأيّ حال، سؤال الإنجاز والمساحة الشخصية ووقت الفراغ يرتبط مباشرة بأحد أكثر الأمور جدلية في تاريخ التربية، وهو ما سنتطرق إليه في المرة القادمة: الحضانة.



