بدأت الحديث في الجزء السابق عن أعراض الحمل، بدءًا بأعراض سينمائية كالتعب والغثيان ووصولًا إلى أمور أقل شيوعًا كمتلازمة النفق الرسغي. لكن لا يمكننا الحديث عن أعراض الحمل من دون الحديث عن أشهرها، وهو اشتهاء أنواع معينة من الطعام والنفور من أنواع أخرى، أو ما نسميه "الوحام". حتى الآن لم يتوصل العلم إلى تفسير لتلك الظاهرة، وإن كانت هناك بعض النظريات. أنا مثلًا أصبحت أشتهي الخضار والفاكهة بشدة بينما نفرت تمامًا من الدجاج وبدرجة أقل من اللحوم الحمراء، والتفسير البسيط لذلك هو أنّ الجسم يوجهني لتناول مأكولات صحية غنية بالفيتامينات والألياف وينفّرني من الأصناف التي يُحتمل أن تسبب التسمم الغذائي أكثر من غيرها. لكنّ هذه النظرية تنهار حين تجدين نفسك تشتهين كلّ أنواع الحلويات المغمّسة بالقَطر والسمن. على كل حال، يمكنك دائمًا اعتماد تفسيراتك الخاصة. مثلًا، حين وجدتُ نفسي أشتهي الزعتر قررتُ أنّ السبب هو أنّ العِرق الفلسطيني حاضر بقوة في الولد، فلسطيني ابن فلسطيني وفلاح ابن فلاح، ومن أراد أن يثبت عكس ذلك فليأتنا بدراساته.
يذكّرني هذا بمعلومة قرأتها مؤخرًا ولست متأكدة من صحتها، لكنّها قد تحمل تفسيرًا ما، وهي أنّ المشيمة المسؤولة عن تغذية الطفل وحمايته من الجراثيم والأمراض تتكوّن بنسبة ثمانين بالمائة من خلايا الرجل. تخيلي أنّ كتلة من خلايا زوجك تعيش بداخلك وتريد أن تعطي رأيها في كلّ شاردة وواردة، وتذكري اختلاف الأذواق بينك وبينه، كيف تحرمينه من أكل الكوارع والفوارغ في البيت لأنك تكرهين رائحتها، وكيف يحرمك هو من وضع أيّ شيء في السلطة غير الخيار والبندورة لأنّ لديه عداوة مع كل أنواع الخضروات، وسيبدو ذلك تفسيرًا منطقيًا لمسألة الوحام التي احتار فيها العلماء.
أكرّر، كل هذه أشياء تدعو إلى الاطمئنان لا القلق، لكن عليك دائمًا أن تبلغي طبيبك أو طبيبتك بأيّ شيء غريب تشعرين به، فمع أنّه غالبًا سيكون من ضمن أعراض الحمل، إلّا أنه قد يكون في بعض الحالات إشارة إلى وجود مشكلة صحية قد يكون أو لا يكون لها علاقة بالحمل.
كل هذا يتعلق بالأعراض الجسدية، أمّا الأعراض النفسية فقصة أخرى، بدءًا من الكآبة المفاجئة، إلى الدموع التي تنهمر لأتفه الأسباب، وصولًا إلى القلق والقلق ثمّ الكثير من القلق، حتى أنني لاحظت شيئًا مشتركًا بين عدد من الحوامل، إذ يتملّك الواحدة منهنّ في مرحلة معينة هاجس ما قد يحدث لطفلها إن ماتت أثناء الولادة. وفيما تحتفظ بعضنا بهذه الأفكار لنفسها، هناك من تأخذ على عاتقها تحضير أمّ بديلة تأتمنها على طفلها، فترسل رسالة إلى امرأة أخرى تثق بها، أخت أو قريبة أو صديقة، توصيها بأنها إن ماتت أثناء الولادة فتريد منها أن تتزوج زوجها وتربي ابنها بدلًا منها، بغض النظر إن كانت المرأة التي وقع عليها الاختيار تلك تريد استئناف حياتها نيابة عنها أم لا.
المشكلة في هذا الهاجس بالذات أنه يبدو منطقيًا وعقلانيًا تمامًا، لكنه في الحقيقة نابع من خوف لاعقلاني قادم من زمن آخر كانت كثير من النساء فيه يفقدن حياتهنّ أثناء الولادة أو بعدها، قبل أن يتوصل الطب إلى اكتشافات مهمّة مثل المضادات الحيوية وضرورة أن يغسل الطبيب يديه قبل أن يقوم بتوليد امرأة، خاصة إن كان قد تعامل مع جثة ميت قبل ذلك، وهي فكرة ثورية لم تخطر ببال نخبة أطباء "العالم المتقدم" حتى منتصف القرن التاسع عشر! لذلك إن وجدتِ نفسكِ فريسة لهذه الأفكار، تذكري أنّ الغالبية الساحقة من النساء اليوم ينجبن أطفالًا أصحّاء ويعشن لتصديع رؤوسنا بقصصهم واستهلاك ذاكرة هواتفنا بصورهم، حتى أولئك اللاتي يعانين من مضاعفات خلال الحمل، أمّا الاحتمالات المعاكسة فهي ضئيلة جدًا بحيث أنّ التفكير فيها يدخل في باب الوساوس وتخيّل البلاء قبل وقوعه.
لكن مهما كانت مخاوفك غير عقلانية، فعليكِ أن تتعاملي مع قلقك بجدية، خاصة إن كنت تعانين من فرط القلق المرضي أو كانت لديك ميول اكتئابية سابقة للحمل. يمكنني قول الكثير حول القلق المرضي كوني أتعايش مع اضطراب الوسواس القهري وفرط القلق منذ سنوات، وستكون أشدّ في مرحلة ما بعد الولادة، وأكثر منها في حملي الثاني. المهمّ هو ألّا تستسلمي للقلق، وأن تقاوميه بأي طريقة تناسبك، لكن إن وجدته قد تمكّن منك فلا تترددي في طلب المساعدة ممّن حولك، أو حتى طلب مساعدة مختصة. أتذكّر أن طبيبتي في حملي الأول قالت لي جملة جوهرية: "لا تعيشي في قلق، حتى لو كنت ستأتين إلى المستشفى مرتين وثلاثًا خلال ليلة واحدة للاطمئنان!" تلك الجملة وحدها كانت كفيلة بتهدئة مخاوفي وإعطائي شعورًا بأنّ لديّ شبكة أمان. ليس هذا فقط، بل تبيّن أنها نصيحة من ذهب نظرًا لما حدث في نهاية حملي، لكن تلك أيضًا قصة لها وقتها.
هناك نوع آخر من القلق أقلّ سوداوية وقد يكون موضوعًا جيدًا للضحك على نفسك في وقت لاحق، مع أنه يرتبط بموضوع جدّي جدًا: الطعام! وأعني هنا الطعام الممنوع. كما هو معروف، يأتي الحمل ومعه قائمة من الممنوعات سيسردها عليك طبيبك في أوّل موعد لك، والسبب الأهم في منع مأكولات معينة هو تجنب الإصابة بنوعين محددين من العدوى البكتيرية: الليستيرية، وهي التهاب بكتيري نادر لكنّه خطير على الجنين، والسالمونيلا، الأكثر شيوعًا وشهرة، والتي يمكن أن تسبب أعراضًا شديدة للأم وتؤثر على الجنين. والحقيقة أنّ الوقاية منهما أمر سهل ولا تعقيد فيه، تجنبي كل أصناف اللحوم والدجاج والأسماك والبيض النيّئة أو غير المطبوخة جيدًا، والخضار والفاكهة غير المغسولة، والألبان غير المبسترة طبعًا. لكن كيف للأمّ القلقة أن تتخلى عن هوايتها في التنقيب في غياهب الإنترنت قبل تناول أيّ صنف من الطعام! ناهيك عن التحذيرات التي ستسمعينها هنا وهناك والتي لن تتركك تهنئين بكوب من الشاي أو فنجان من القهوة. تشربين الشاي الأخضر؟ ارمي الكأس من يدك بسرعة قبل أن يتسبب بإجهاض الجنين. تأكلين معه التمر أيضًا؟ ستلدين في الشهر السادس لا محالة. أكلت الآيس كريم من محلّ حلويات؟ إلى الطوارئ فورًا، فما أدراك أن الآلة التي صُبّ منها غير ملوثة؟
أنا شخصيًا لم أكن أحتاج إلى مساعدة خارجية لأعيش نوبات الهلع تلك، فقد كنت أقوم بالواجب وزيادة، وقد أقضي يومًا كاملًا أتصفح الإنترنت بحثًا عن إجابات تطمئنني بأنني لم أفعل شيئًا سيضيع مستقبل ابني قبل ولادته. والحقيقة أنّك إن بحثتِ بضمير فستجدين دائمًا ما يريح بالك، فمثلما أنّ الإنترنت يعجّ بالنساء الموسوسات أمثالي وأمثالك، ستجدين فيه أيضًا نساء كثيرات من نوعية: "كنت آكل السوشي طوال الحمل ولم يحدث شيء"، وأنا مدينة لهؤلاء النساء من قلبي.
امتدّ هوسي أيضًا إلى السكّر والحلويات، فامتنعت في بداية حملي عنها قطعيًا، متخيّلة أنّ دماغ الطفل سيتحوّل إلى كنافة إذا أكلت قطعة منها. وأضرار السكّر على الحامل والطفل وعلى أيّ شخص عمومًا لا تخفى على أحد، لكنّ الأمر ليس بهذه الفظاعة بالتأكيد. طبعًا كان ذلك في بداية الحمل فقط، أمّا في منتصفه فكنت أضع علبة الآيس كريم في حضني وأغرف منها غرفًا من دون وساطة الصحون.
كلّ هذا كان في حملي الأول، أمّا في حملي الثاني فكنت منطقية أكثر، لم أحرم نفسي من شيء ولم أبالغ في الحذر، فآكل السوشي المصنوع من سمك مطبوخ، وأشرب الشاي الأخضر وآكل ما أشاء من التمر، وأسمح لنفسي بأن أرفع البيض عن النار قبل أن يتحوّل إلى كوشوك كما يُفترض بالحامل أن تأكله. لا أقول إنّ ما أفعله صحيح، ولا أنا طبيبة ولا هذا دليل نصائح طبية، هذا ما أفعله وحسب.
الخلاصة أنّك حين تكونين حاملًا، إن لم تكوني تعانين من الغثيان والاشمئزاز من الطعام، ستكونين جائعة دائمًا، وسترغبين في الأكل طوال الوقت، حتى حموضة المعدة القاتلة في الأشهر الأخيرة لن تمنعك من ذلك، خاصة حين تتذكرين أنّ الحمل هو فرصتك الوحيدة للأكل كما تشائين دون الخوف من زيادة الوزن... لأنك ستتحولين إلى بطريق في جميع الحالات. هذا ليس كلامًا صحيحًا طبعًا، فزيادة 15 كيلوغرام تختلف عن زيادة 30 كيلوغرام، لكنها أفكار ستراودك وتلحّ عليك.
وأيًا كان ما لديك من مخاوف وهواجس ووساوس، يظلّ مرجعك الرئيسي فيها هو طبيبك، لهذا من الضروري أن تختاري طبيبًا أو طبيبة تشعرين معهم بالارتياح الكافي لطرح أيّ أسئلة تشغل بالك، ويمكنك مشاركتهم ما يسبب لك القلق دون أن يشعروك بأنك تطرحين أسئلة غبية أو يتعاملوا معك على أنّك مجرد "حامل تتدلع". لا تذهبي إلى طبيب يعاملك كماعز بين المعيز، مهما كانت شهرته وخبرته والشهادات المعلقة على جدران مكتبه. أزيد على ذلك أنني شخصيًا أبحث دائمًا عن طبيبة، لا طبيب، وذلك لسببين: سبب شخصي، إذ أنني أشعر براحة أكبر حين تكون طبيبتي امرأة، ويكون تجاوز حاجز الخجل أكثر سهولة. ولنتذكّر أنّه مهما بلغ طبيب النسائية من الاحترافية في عمله ومهما كانت خبرته وكفاءته، سيظلّ مفتقرًا إلى التجربة الشخصية، أعني أنّه لم يعش ولن يعيش تجربة الحمل والولادة بنفسه، بكل ما فيها من تفاصيل تعجز النساء أنفسهنّ أحيانًا عن وصفها.
أمّا السبب الثاني، فهو مسألة مبدأ، إذ أعتبره موقفًا مضادًا لفكرة أنّ الطبيبات النساء أقل كفاءة من الرجال، والتي يروّج لها ويؤمن بها بعض الناس -ومنهم نساء للأسف- بناء على تحيّز عام ضد النساء أو لتجربة شخصية سيئة، فكما نعرف، حين تخطئ امرأة في عملها يُعمّم ذنبها على بقية النساء، أمّا حين يخطئ الرجل فهو يمثّل نفسه فقط.
وإن كان هناك مكان واحد تظهر فيه أهمية اختيار الطبيب الصحيح أكثر من غيره، فهو المكان الذي تكونين فيه في أضعف حالاتك، حين تحين ساعة الحسم ولحظة الحقيقة ويلوح أمامك خط النهاية لرحلة دامت تسعة أشهر: غرفة الولادة.



