كأمّ بشكل عام، أدرك أنّ الفروقات الفردية هي الأهمّ في تحديد شخصية الطفل سواء كان ذكرًا أم أنثى، لكنني كأمّ لطفل ذكر أصدّق الدراسات القائلة إنّ أمّهات الأولاد يعشن حياة أقصر، وأؤمن أنّ مهمتكِ كأمّ ومهمتكَ كأب في أول سبع سنوات من حياة ابنك هي حمايته من نفسه.
ومن تجربتي الخاصة، أصدّق أنّ هناك ملائكة مكلفة بحماية الأطفال، ولديّ من الأمثلة ما يحتاج إلى فصل منفرد، كاللعبة التي اخترعها عزيز بأن يدعس على بطن أبيه ثم يقفز منه إلى الكنبة (والتي حاول أن يلعبها معي وأنا حامل ولم أسمح له طبعًا لأنني أمّ ظالمة ومفتريّة)، أو حين يشد شعري ويقتلع خصلة منه ثم يشعر بالقرف حين يدرك أنه يمسك شعرًا بيده، أو حين حاول تسلّق خزانة فسقطت فوقه. وكان صعبًا عليّ ألّا أقارن عزيز الذي لم يقل كلمة أخ والخزانة فوقه بطفلة صديقة لي افتعلَت مشهدًا دراميًا حين اصطدم بها طفل آخر في الحديقة صدمة لا تكاد تُذكر. حتى حين يرغب عزيز في التعبير عن حبه لي ويريد أن يعطنني حضنًا يندفع نحوي كقطار بلا كوابح، ويكون عليّ استقبال هذا القطار بذراعين مفتوحتين والاستعداد للإصابات.
لكن أعود وأقول إنّ الأمر يعتمد كثيرًا على شخصية الطفل وبيئته، بنتًا كان أم ولدًا، ولديّ شواهد كافية على ذلك لا حاجة لذكرها هنا، إذ لا بدّ أنّ لديكم مخزونًا من هذه الشواهد أيضًا.
وبما أنك دخلت مرحلة جديدة بعد مرحلة الحمل والولادة، فسيقوم الذكاء الاصطناعي بالواجب كالعادة ويفلت عليك كلّ أنواع الحسابات والمنشورات على وسائل التواصل عن أشياء تفكّرين فيها يوم السبت فتظهر أمامك يوم الأحد، كما لو كان يقرأ أفكارك، ومنها ما لم يخطر ببالك قطّ، لكنّه سيبدو موضوعًا مصيريًا قد يبني مستقبل ابنك أو يهدمه، لتدخلي في ثقب دودي من الجدل وتراشق الاتهامات في تعليقات الفيسبوك والإنستغرام، حتى لتسألي نفسك: كيف كان الناس ينجبون أطفالًا ويربونهم قبل السوشال ميديا؟
من الأمثلة على ذلك، السؤال الذي حيّر العلماء: أين يجب أن ينام الطفل؟ يبدو سؤالًا بسيطًا، لكنّ هناك هوسًا غير مفهوم به، لدرجة أنني وجدت مجموعة على الفيسبوك اسمها Co-sleepers، أي الناس الذين ينام أطفالهم معهم في الغرفة نفسها، كأنّهم طائفة تجمعهم عقيدة ما. ابنك ينام معك في نفس الغرفة، كما يفعل معظم الأطفال منذ فجر التاريخ سواء أراد أهاليهم ذلك أم لا، ما الذي يستدعي إنشاء صفحة على الفيسبوك لمناقشة الموضوع وتكريسه كثقافة؟ وقد ظننت أنني أبالغ، فقد تكون مجموعة لتبادل النكات والميمز حول الموضوع مثلًا، لكن ماذا عن طبيبة الأطفال الغاضبة التي ظهرت في وجهي من حيث لا أدري وهي تصرخ أمام الكاميرا على الأمهات اللواتي يرتكبن جريمة وضع أطفالهنّ في غرفة منفصلة بدل تركهم ينامون معهنّ في نفس الغرفة ونفس السرير حتى سنّ الرابعة والخامسة كما تفعل هي مع بناتها! كيف تجرؤ أولئك الأمهات الفاشلات على ألّا يعشن مثلها؟ بل هناك أسوأ من ذلك، فيديو تظهر فيه سيدتان، واحدة تصرخ محذرة من خطورة نوم الأطفال في غرفة منفصلة، والأخرى تصرخ ضد مخاطر نوم الأطفال في نفس الغرفة مع أمهاتهنّ وكيف سيدمّر ذلك مستقبلهم. أظنّ أنّ الفيديو سيكون مضحكًا لأيّ أمّ، سواء كان طفلك ينام بجانبك ويرفض النوم في سريره بأي شكل، أو إن كان طفلك ينام في سرير منفصل منذ ولادته، مثلي أنا شخصيًا، فلست مستعدة للاستيقاظ على قدم تركلني على وجهي في الثانية فجرًا، لا سنّي ولا لياقتي يسمحان بذلك.
يا عمي لينم الأطفال في أيّ مكان، في المطبخ في السطوح في أوضة الجنايني، المهم أن يناموا!
وكما أنّ هناك مشكلة النوم، هناك أيضًا مشكلة اليقظة. كيف سيقضي طفلك كلّ تلك الساعات التي يكون مستيقظًا فيها، والأهم، كيف ستقضينها أنت؟ وهذا أحد المواضيع المفضّلة لمؤثري السوشال ميديا، فستجدين انفجارًا من الفيديوهات التي تتحدث عن خطر الشاشات على الأطفال، وهو كلام كنت أتفق معه تمامًا وأنوي ألّا أسمح لابني بمشاهدة أيّ شيء على الشاشات قبل عمر السنتين. كلام كبير لم يحدث طبعًا، لأنك تدركين أنّ اليوم طويل جدًا وأنّك ستحتاجين إلى إلهائه أحيانًا للقيام بأمور مهمّة أخرى. أفضل ما استطعت إنجازه هو عدم السماح له بمشاهدة فيديوهات على الموبايل (إلّا حين نكون خارج البيت ونضطر إلى ذلك)، وأن أجد رسومًا متحرّكة مناسبة لا تستفزّ عفاريته الكامنة، بألوان هادئة وموسيقى هادئة وإيقاع بطيء. بل إنّ التلفزيون أحيانًا كان الوسيلة الوحيدة لضمان ألّا يفعل شيئًا خطيرًا ويؤذي نفسه حين أضطر إلى تركه وحيدًا في الغرفة لفعل شيء ضروري.
لكن كلّ ذلك كوم والذين ينصحونك بأن تتحدثي إلى طفلك الغاضب وتخبريه بأنك تفهمين مشاعره كوم آخر. منذ بدأت مرحلة نوبات الغضب عند عزيز أصبحت أتجاهله تمامًا أثناء نوبات غضبه، والتي كانت تستمر ساعة كاملة أحيانًا في بدايتها. صدقوني، لقد جرّبت ووجدتُ أنّ التحدث إلى طفل غاضب عمره عام ونصف أشبه بالتحدث إلى قطة وتوقع أن تستجيب لك، وأنّ تجاهل نوبات الغضب مع البقاء في محيط الطفل أنجع وسيلة لتقليلها، عليك فقط أن تطوّري مهارة تحمّل صوت صراخه. هناك من يقول إنّ عليك أن تضمّيه كي تهدئيه، وهذا ينفع أحيانًا، لكن ليس دائمًا. لكن لا تعتمدي على تجربتي أو تجربة أيّ شخص آخر، فأنا لست خبيرة تربوية وهذا ليس كتاب نصائح. جرّبي التفاوض مع طفل عمره عامان يمرّ بنوبة غضب، قدّمي له حججك المنطقية واشرحي له وجهة نظرك، من يدري؟ قد يقتنع بأنّك تريدين مصلحته فيتوقّف عن البكاء ويترك اللعب بماء المرحاض أو يقوم فيطفئ التلفزيون بنفسه.
لكنني وإن كنت صارمة مع عزيز وكثيرًا ما أقمع محاولاته للتمرّد، إلّا أنّ لدي خطًّا أحمر لا أتجاوزه، فقد أعاقبه بأي شكل، لكن لا يمكن أن أسمح لنفسي بأن أضربه. أقصى ما فعلته هو أنني ضربته على كفّ يده مرة أو مرتين، ولم يُحدث ذلك أي فرق لأنه ظن أنني ألعب معه، فتوقفت عن ذلك أيضًا. وقد كنت أمارس التنظير في أمور كثيرة قبل أن أصبح أمًا ثمّ غيّرت رأيي فيها بعد التجربة، لكنّ موقفي من ضرب الأطفال ثابت لم يتغير، وأتذكّر جدالات كنت أخوضها مع صديقات أو قريبات لي ممّن يضربن أطفالهنّ، وبما أنني لم أكن أمًّا بعد فقد كان من السهل عليهنّ القول إنني سأتغيّر حين أنجب أطفالاً ولن أستطيع منع نفسي من ضربهم. لكن هذا بيت القصيد، أكبر مشكلة لدي مع الضرب هو أنّه ليس وسيلة للتأديب، بل لتفريغ غضب الأم أو الأب. إنك تستخدم ابنك ككيس رمل!
وبما أنّ موقفي كان ضعيفًا كفتاة لا تزال عازبة ولم تخض هذا الامتحان الصعب، سألت ابنة عمّ لي تشابهني في الأفكار وأعرف أنها لا تضرب أطفالها أبدًا، فقالت لي إنها لا تضربهم لكنّها تكتم الغيظ فيأكلها من الداخل. ولا مشكلة لديّ في ذلك، فأنت امرأة بالغة عاقلة ويمكنك أن تجدي وسائل أخرى لتفريغ غيظك، لكنّك لن تستطيعي محو الأذى النفسي الذي يحدثه الضرب في أبنائك. وكم يضحكني ما يقوله بعض المدافعين عن ضرب الأطفال من أنّ أهاليهم كانوا يضربونهم وهم صغار وها قد كبروا وأصبحوا رجالًا ونساءً أسوياء ومثل الفُل. جيل نشأ مع كل أنواع العقد النفسية ويرى نفسه مثالًا يُحتذى به في التربية السليمة!
لكن الحق يُقال، أغلبية الآباء والأمهات الذين أعرفهم لا يفكّرون بهذه الطريقة، وترى لديهم عزمًا على تصحيح أخطاء التربية التي كان يرتكبها آباؤهم، ليس لأنّ آباءهم كانوا أشرارًا أو لا يحبونهم بقدر ما يحبون هم أبناءهم، لكن لأنّ تلك أمة قد خلت، وجيل مختلف كانت له قواعده ومفاهيمه الخاصة، فما الحكمة من تعاقب الأجيال لو لم يتعلّم كلّ جيل من تجربة الجيل السابق ويبني عليها؟ ليس صحيحًا دائمًا أنّ من هو “أكبر منك بعام أعرف منك بسنة”، فبالنسبة إلى عمر الكون وتراكم الخبرة الإنسانية أنت أكبر من أبويك، وجيلك أكبر من جيلهم وأكثر حكمة في المحصّلة.
لكن في وسط كل هذه الزوبعة من التجربة والخطأ والأسئلة حول ما يجب أن يأكله طفلك، وأين يجب أن ينام، وكيفية السيطرة على نوبات غضبه وتعزيز استقلاليته ومراعاة تطوّره العاطفي، أو أسئلة أصعب مثل: كم مرة يمكنك أن تسمعي “في منزل أنثى السنجاب” مع الحفاظ على اتزانك العقلي؟ في وسط كلّ هذه الأسئلة، قد تجدين نفسك أمام سؤال مهم من نوع آخر: أين أنا من هذا كلّه؟


