لون البشرة والمساحة وما بينهما
كفتاة سودانية، مولودة لأبٍ سوداني وأم أردنية عاشت طيلة حياتها في الأردن، لطالما حملت صفة “السودانية” مدلولات متعددة تشير إلى ما هو أبعد من مجرد الإشارة إلى الجنسية أو البلد الأم. هي وصف للون بشرتي، وهي الكلمة التي يناديني بها أطفال الحارة باستهزاء كلما تشاجرت معهم.
كان اليوم الأول في المدرسة دائمًا صعبًا، إذ كنت بحاجة لأثبت للمعلمة من جديد أنني لا “غبية” ولا “كسولة”، ولزميلاتي أنني “صاحبة جدعة ومسلية”، ناهيك عن عبء شعري “الهائج” الذي أحتاج لتمشيطه بطريقة لا تستفز المعلمات. لطالما اعتقدت أن الأشخاص من لون آخر هم الذين يمارسون هذا النوع من العنصرية، ولكن الحقيقة أنني كنت ألمسها في عائلتي أيضًا، إذ كانت خالتي وأمي تناديان أختهما الوسطى “يا سوداء” عندما كانتا ترغبان في استفزازها.
عشت هذه التجربة في الجامعة أيضًا، فحتى صديقاتي المقربات كن يُعلِّقن على “السواد” بأريحية أمامي، وكأنني لا أحمل هذا اللون. أذكر صديقتي التي ذهبت للسباحة و”التشميس” في الصيف، فعادت وقالت لي “شوفي كيف اسمريت وصرت سوداء”، في إشارة إلى أن لونها وصل إلى درجة سواد أغمق ممّا كانت تتمنى. يُضحكني كيف نعتبر درجة معينة من “السمار” علامة على الجمال، بينما يتحوّل هذا اللون إلى “بشاعة” أو “دونية” إذا ما زاد عنها. كما يعتبر البعض “السواد” نقيضًا للجمال الخارجي والداخلي على حدٍ سواء، ما يُفسّر تعليقات مثل “سمرة بس حلوة” أو “أسمر بس دمه خفيف”. كبرت وأنا أشعر أن جنسيتي إهانة ولوني وصمة.
في عام ٢٠١٦، عندما كان عمري ٢٥ عامًا، زرت السودان للمرة الأولى، زرتها بعد أن قررت متابعة دراستي للحصول على درجة الماجستير في حقوق الإنسان والتنمية، وبدأت رحلة اختيار موضوع رسالة الماجستير. كشخص يملّ بسرعة، كنت بحاجة لاختيار موضوع شخصي يمنحني الدافع لأكمل هذه الرحلة، لكن اختيار موضوع يخص السودان وتجربتي الشخصية كان أيضًا محاولة للتصالح مع لوني وشخصيتي وجنسيتي وهويتي التي لطالما اختبرتها من خلال تفاعلاتي مع الناس من حولي فقط.
تعرفت، في هذه الزيارة، على عائلتي وعلى السودان، وتعرفت أيضًا على تصنيفاتنا نحن للألوان: الحلبي (السوداني الأبيض) والأخضر (السواد المائل للأحمر) والأزرق (أغمق درجات السواد) وغيره. كلها تسميات لدرجة سواد مختلفة. أربكني هذا الأمر، ولكن ما أربكني أكثر كان التقسيم بين السوداني العربي والسوداني الأفريقي. تساءلت في سرّي: كيف يعني؟ مش السودانيين عرب وأفارقة؟
أدركت فيما بعد أن الأمر يعتمد على تعريف القبيلة لنفسها وأصولها، فإما يولد الشخص سودانيًا عربيًا أو سودانيًا أفريقيًا، وهي تصنيفات من مخلفات الاستعمار الذي هدف لخلق هذا الشرخ في المجتمع للسيطرة عليه. تذكرني هذه التقسيمات بمصطلحات مثل “الأردني الأردني” و”الأردني الفلسطيني” في الأردن حيث نشأت، والتي لا تختلف عن غيرها من التقسيمات، فكلها مسميات تخلق نوعًا من الأحقية والتراتبية بين الأفراد، فتُحدّد من يملك زمام السلطة و ينسج سردية مجتمعية تتوارثها الأجيال، سردية تدعم شكلًا ما لموازين القوى وتؤدي إلى هشاشة في نسيج المجتمع الأكبر .
ما زلنا نرى هذه العنصرية حتى يومنا هذا، فحتى الحرب الدائرة في السودان اليوم ليست بعيدة عنها. صحيح أن الحرب تعود إلى عدة عوامل، من بينها الصراع على الموارد ومطامع الدول المختلفة بها، لكن يجب ألا نغفل عن حقيقة أن هناك كثيرين يقاومون تهميشًا عنصريًا استمر لعقود من الزمن. الأمر ذاته ينطبق على دول أخرى من حولنا، فالموضوع لا يقتصر على لون، أو دين، أو طائفة أو جنسية. العنصرية مستمرة، لأن هناك سردية تخدم السلطة السياسية بشكل أو بآخر تعزز تفوق فئة على أخرى. هناك أشخاص أنانيون يرفضون تقاسم المساحة مع أشخاص آخرين، على الرغم من أن المساحة واسعة وتكفينا كلنا، إلا أن إدمان السُلطة سيقف دائمًا في وجه التشاركية. علي أن أقرّ، هنا، بأنني لست ضحية طوال الوقت، فقد تعرضت للعنصرية، ولكنني قد أكون ممّن يمارسونها عن غير قصد، سواء كانت عنصرية معلنة أو مخفية.
بعد مرور ما يقارب العشر سنوات على زيارتي الأولى للسودان، أستطيع أن أقول إنني بدأت أتقبل وجود العنصرية في المساحات المختلفة، أتقبل وجودها ولا أقبلها كممارسة. لا، لم أتخطَّ تجربتي معها، وربما لن أتخطَّاها أبدًا، ولكنني أحتاج لتقبل وجودها أولًا حتى أستطيع محاربتها. يمكنني اليوم مواصلة حياتي اليومية وأنا أشعر بعبء أخف لأنني أتحدث عن العنصرية وأسميها باسمها، فأشارك تجربتي مع أشخاص يُشبهونني ومرّوا بتجارب مشابهة. بيد أن التغير الأساسي هو أنني أدركت، أخيرًا، بأنني لست مضطرة لتبرير وجودي في أي مساحة لأي شخصٍ كان، هذه المساحة ملكي أنا أيضًا، وعلى من حولي بذل الجهد لتقبل هذا اللون وهذه الحقيقة.






صح لسانك
كلام جميل جدا من اجمل المقالات المعبرة