مشروع أم - الجزء التاسع: الولادة
إذًا ها قد سرى مفعول التخدير، وأخذ الأطباء والممرضون مواقعهم، وبدأت الحفريات...
لم أكن أرى ما يحدث طبعًا لأنهم كانوا يضعون ساترًا أمامي، وسألتُ زوجي إن كان يرى ما يحدث فقال إنه لا يرى شيئًا أيضًا، واتضح لاحقًا أنه كان يكذب، إذ اعترف لي بعد العملية بأنه كان يرى كلّ شيء من الزاوية التي يجلس فيها. لم أشعر بألم طبعًا، لكن كنت أشعر بالضغط على بطني بينما راحت الطبيبة تُعمل مشرطها فيه وهي تتحدث إلى مساعدها وإلينا بكلام لا أتذكّر منه شيئًا الآن. كان كل تركيزي على عزيز الذي أنتظر أن أراه أمامي في أي لحظة. الشيء الوحيد الذي أتذكره من كل ما قالته الدكتورة خلال الولادة هو: There it is! – "ها قد عرفنا السبب"، السبب الذي حال دون الولادة الطبيعية وتسبب في تباطؤ نمو الجنين قرب نهاية الحمل، وفي هبوط نبضه بين الحين والآخر، فحين وصلَت إلى عزيز أخيرًا وجدَت الحبل السُّري وقد جفّ تقريبًا والتفّ حول عنقه بإحكام، بينما كان هو محشورًا في الحوض. وحتى عند ذلك لم يخرج عزيز من مكانه بسهولة، فاضطروا لاستخدام أداة فولاذية و"غَرفه" كأنه كرة آيس كريم!
بعد ذلك بثوانٍ جاءت أعظم لحظة في حياتي، اللحظة التي سمعت فيها صوت عزيز لأول مرة. لم أكن قد رأيته بعد، سمعت بكاءه من وراء الساتر أولًا، واجتاحني شعور رهيب لأنني طوال هذا الوقت كنت أنتظر رؤيته وأتخيّل شكله، لكنني لم أتخيّل صوته قطّ. كان صراخه أوّل شيء جعلني أدرك أنّ إنسانًا حقيقيًا من لحم ودم قد نشأ بداخلي وخرج الآن إلى النور ليبدأ رحلته في هذا العالم. بعد الصوت جاءت الصورة، كأنّها رعد يسبق البرق لا العكس، حين رفعته الطبيبة عاليًا كي أراه وهو يفتح فمه على مصراعيه ويواصل الصراخ بأعلى صوته. ما زلت أعجز عن وصف شعوري وقتها، لكن كان هناك الكثير من الدموع بطبيعة الحال، وشعور غامر بالارتياح.
التقطته طبيبة الأطفال على الفور وقامت بفحصه. كان يبكي طوال الوقت، وحين انتهوا من فحصه لفّوه بقماط ووضعوه على صدري، فسكت على الفور وراح يحدّق في هذا العالم الغريب المخيف من حوله، المليء بالفراغ والضوء. طبعًا تمّ توثيق كلّ ذلك لحظة بلحظة بفضل طبيب التخدير، الذي بعد أن أتمّ عمله عرض على زوجي أن يعطيه هاتفه ليقوم بتصوير الطفل حال خروجه ويلتقط لنا صورًا معه، فخرجنا من غرفة العمليات بألبوم كامل يوثّق الولادة لحظة بلحظة.
هدأت الأجواء في غرفة العمليات وتركوا عزيز معي بضع دقائق، ثمّ أخذوه هو وأبوه كي يعلموه كيف يغير له الحفاضة -يعلموا الأب طبعًا- ريثما يتم تقطيب جرحي. وهكذا، غيّر إبراهيم حفاضة عزيز وهو لم يتجاوز من العمر ساعة، واستلم هو تلك المهمة طوال أيام مكوثنا في المستشفى، وكان يفعل ذلك بكلّ حب وهو يغني لعزيز ويتحدث إليه، وما زال حتى هذا اليوم يتفوق عليّ في هذه المهارة، بعد أن كان يقول لي وأنا حامل إنه لن تكون له علاقة بالأمر! كانت تلك أفضل هدية ولادة يمكن أن أحصل عليها، رؤية زوجي -الذي لم تكن له علاقة حقيقية بالأطفال قطّ ولا حتى رغبة طاغية في الإنجاب- وهو يتحوّل إلى أب لديه كمّ هائل من الحب لهذا المخلوق الصغير.
ولديّ اعتراف هنا: مع كل الحب الذي شعرتُ به تجاه عزيز في اللحظات والأيام الأولى، إلّا أنه كان أقل ممّا توقعتُ أن أشعر به. كنت أتوقع أن يكون شعور الحب خالصًا، طاغيًا، خارقًا لكل شيء، لكنّه كان مشوبًا بالقلق والخوف والتعب، وفهمت عندها ما كنت أسمعه من أمهات أخريات اعترفن بأنّهنّ لم يشعرن بالحب تجاه أطفالهنّ على الفور، واستغرقنَ وقتًا للشعور بتلك العاطفة. لا عجب في ذلك وهرموناتك تتخبّط يمينًا وشمالًا، وجسمك يحاول التعافي من الصدمة التي تعرّض لها، وعقلك يحاول التكيّف مع الوضع الجديد الذي ظننت أنك مستعدة له وتعرفين ما عليك فعله، لتكتشفي مرة بعد مرة ويومًا بعد يوم أنك لا تعرفين شيئًا!



