تُحدِّثُنا عواطف زكريا الأحمر، وهي سيدة سودانية في العقد السابع من عمرها، عن اللحم "السفري"، الذي يُشكِّل جزءًا أساسيًا من ذاكرتها. وتُخبرنا أنه يُحضَّر بطريقةٍ تراعي طبيعة حياتها وأهلها في السودان، فهذا لحم قد يصمد لشهور خارج الثلاجة، ما يجعله مثاليًا للبدو الرُحَّل ممّن هم "على سفرٍ" دائم.
التقيت بعواطف للمرة الأولى في عام 2018، حين أخذتني مهمة صحفية إلى مقهى في وسط البلد بمدينة عمّان. يرتاد هذا المقهى اللاجئون السودانيون الذين وصل معظمهم، حتى أكون دقيقة، إلى البلاد بهدف أن تكون محطة "ترانزيت" ينتظرون فيها موعد سفرهم إلى وجهة ثالثة، هي غالبًا دولة غربية يأملون أن تفتح لهم ذراعيها. على مدار السنوات، عُرف هذا المقهى كنقطة تجمع، يلتقي فيها اللاجئ القديم بآخر وصل للتو وقد أنزله التاكسي في وسط البلد على أمل أن يلتقي بمن يرشده إلى أول الطريق.

هناك، كانت عواطف تستأجر مساحة المطبخ من صاحب المقهى، تطهو وتتقاضى هي الأجر، ومن ثم تدفع له لقاء إشغالها للمساحة. لم أجد لها مساحة في تلك القصة الصحفية بالذات، ولكننا التقينا مرة أخرى بعد سنوات طويلة، أي بعد أن سافر كثيرون ممّن نعرفهم إلى وجهاتهم المأمولة، ولقي آخرون مصرعهم بطرقٍ متعددة، وقامت ثورة في بلادها ومن ثم تلتها حرب طاحنة.
في المرة الثانية، عُدنا لتبادل الأحاديث حول الأكلات السودانية، واضطرارها للتكيُّف مع المكان الجديد، ما يُغيّر حتمًا في قائمة المأكولات المتوفرة، وطريقة طهيها بل وحتى مذاق الأكلات نفسها مهما اجتهدت. على سبيل المثال، اعتادت عواطف أن تُجفّف شرائح من اللحم لأيام تحت أشعة الشمس، وفي الهواء الطلق، لتقوم بعدها بطحنها وإضافة البهارات لها. هذا ما يفعله السودانيون في بلادهم، ولكنها لا تملك أن تنشر هذا اللحم في شققٍ تتشاركها مع عائلات أخرى، أحيانًا بمتنفس خارجي وأحيانًا بدونه. بيد أن الحل دائمًا موجود، إذ قرَّرت أن تتبع نصيحة سمعتها في السودان، لتُعلِّق اللحم على أسلاك الثلاجة من الخلف وتستفيد من البخار المتصاعد منها لتجفيفه بعيدًا عن الحشرات والنمل. إنه حلّ ليس بغريب على أهل دارفور، التي تنحدر أصولها منها، بحسب ما تقول، فهم أناس “لا يغلبهم شيء” باستثناء الحرب.

تفتخر عواطف، التي لم تلتحق بالتعليم الرسمي يومًا، بأنها تعلَّمت القراءة رفقة أبنائها، وبأنها أحرزت المركز الأول في دورة الإسعافات الأولية التي التحقت بها، حين "جاءنا سيول وأمطار في سبعة وتمانين، أنا عندي تلاتة أطفال.. وجات الملاريا، وجات الكوليرا، وجات الوباء، فقاموا الناس بحملة، وقالوا لازم يعينوا من البلد ذاتها الناس ذاتها عشان تساعد نفسها". بعد أن حصلت على شهادة إتمام هذه الدورة، أحبَّت عواطف أن تعمل كقابلة لتوليد النساء، ولكنها واجهت رفضًا من العائلة بسبب الصور النمطية الملتصقة بـ"القابلة"، التي تشرب السجائر، وهي عادة اجتماعية لم تكُن تناسب عائلتها المحافظة في ذلك الوقت.
تخبرنا عواطف أنهم كانوا قد أعطوها "ثلاثة لبسات فساتين بيوت.. والبوت العادي.. وشرابات تلاتة وطرح كلهم غلستهم وطبقتهم وكويتهم ووديتهم سلمتهم". جرَّبت بعدها رسم الحناء، ولكنها كانت تحني ظهرها لساعات فلا تسمع سوى كلمة "شكرًا" دون أن يتبعها أي مقابل مادي، فتوقَّفت.
وأخيرًا، عادت إلى الطهي الذي أتقنته من "بدري من بدري. أنا من صغيرة بحب أكون تحت أمي الله يرحمها، جدتي.. يعني أنا شغلة بهويها هواية من بدري.. ما بتهمني يعني أي كمية في الأكل. وفي السودان كنت بشتغل مناسبات، أنا بمسك مناسبة عرس، بمسك سماية*، بمسك طهور، بمسك عندي موسم يعني هسا الناس راجعة من الحج".
زارت عواطف الأردن أكثر من مرة، حين كانت ترافق مريضات سودانيات جئن بهدف العلاج، ولكنها كانت تعود بعد انتهاء الفترة. ومن ثم وصلت إلى البلاد في عام 2018 وحيدةً، ولم تعُد منذ ذلك الحين. نصحتها صديقة بأن تستغلّ مهارة الطبخ لتُدرّ لها دخلًا تعيش منه، فاتبعت النصيحة، وانتقلت من مقهى إلى آخر، قبل أن تبدأ بالطهي في المنزل وتتفق مع الزبائن على استلام الوجبات بأنفسهم أو بواسطة مندوبي التوصيل.
تُحضِّر الوجبات للسودانيين، وأحيانًا لعائلات من التشاد تحنّ للأكل السوداني، ورُبَّما لأردنيين أحبوا أكلها أيضًا، خصوصًا وأنها تعلَّمت وصفات أردنية وسعودية وبدأت بتطبيقها. بيد أنها تعترف أن الأكل السوداني، تحديدًا، فقد شيئًا من مذاقه القديم في موطنه الجديد، فمهما حاولت، لا اللحم هو ذاته، ولا السمك، ولا حتى الخضار لأنها “شربت” من مياه غير مياه النيل على حد تعبيرها.
تشتكي عواطف من حالة صحية تحدّ من حركتها، ولكنها لا تتوقف عن العمل، إن توفر، حتى يظلّ لها دخلًا مستقلًا وتتمكَّن من تحقيق أهدافها. لا يهمّها المأكل والمشرب، فهي تتشارك السكن مع عائلة سودانية أخرى، وتقول” طبعًا أنت عارفانا، نحنا مع بعضنا.. بالذات نحنا في الأكل ما عندنا نقاش، حتى لو إنت ما عندك، أنا عندي”، ولكن ما يهمها بالفعل هو تجميع مبلغ يساعدها في الحصول على شهادة معترف بها في الطهي.
كل كلمات الإطراء مهمة، وكل شخص يُخبر صديقًا له عن أكلها اللذيذ قد يُسعدها. بيد أن الشهادة التي تستطيع أن ترسلها لواحدة من الدول التي تُرحِّب بالمهاجرين من أصحاب المهن هي التي تصنع فرقًا حقيقيًا اليوم. في السابعة والستين من عمرها، تكره المقابلات التي تركز على مآسي الماضي لكي تتجنَّب أي توتر تظهر علاماته على جسدها على الفور، ولكنها تُحبّ الحديث عن المستقبل. الشهادة الرسمية، التي تتوج عملها لعقودٍ في الطهي، مهمة بالنسبة لها، إذ تقول "أنا عندي طموح.. أولادي مشردين بالبلاد. يعني إذا وجدت سفر ممكن بعدين أشمل أولادي. أنا ممكن أكون صاحبة خبرة في المحل وأؤجر ناس.. ناس تشتغل، لكن أنا بكون صاحبة الخبرة".
هذه قصة مطبخٍ انتقل من دارفور إلى الخرطوم، ومن ثم سافر إلى الأردن ويأمل اليوم أن يزدهر في دولةٍ أخرى، لا يهمّ إن كانت قريبة أو بعيدة، يكفي أن تقبل بها وأولادها وتجمعهم في عنوانٍ واحدٍ معروف!
*احتفال بقدوم مولود جديد إلى العالم، ويُقام في اليوم السابع من ولادته. ويُعلن فيه عن اسم المولود رسميًا.


