حدثتني قريبة لي ذات مرة عن طريقة عبقرية تخلصت بها من تطفل الناس على حياتها الشخصية حين قررت تأجيل الإنجاب خمس سنوات بعد الزواج. وخمس سنوات مدة طويلة، فيندر أن تسمع عن زوجين -في مجتمع عربي على الأقل- يأجّلان الإنجاب كل هذه المدة من دون وجود مشاكل تمنعهما منه. ومعروف أنّ الأهل والمحبين -وحتى غير المحبين أحيانًا- لن ينتظروا خمس سنوات كي يبدؤوا بطرح أسئلة من نوع “متى سنفرح منكم؟” أو “ما في إشي في الطريق؟” أو، النسخة المفضلة لدي، “مش محوشينلنا إشي؟” ولمّا بدأت قريبتي تتلقى هذه الأسئلة في المناسبات الاجتماعية، أصبحت تكتفي بالابتسام والقول: “الله كريم”، ممّا يترجمه المتلقي فورًا بأنّ لديها مشكلة لا تريد البوح بها، فيتحوّل الفضول إلى تعاطف وربّما دعوة سريّة أو معلنة. هي لم تكذب، ولم تتمارض، لكنّها استطاعت بكلّ ذكاء أن تتجنّب نقاشًا لا تريد خوضه.
ومع أنّ هذه الإجابة كفيلة بوضع حدٍ لفضول معظم الناس، إلّا أنها لا تنجح دائمًا، خاصة مع الأشخاص الأشدّ قرابة، فتجدهم ينتقلون إلى السؤال التالي: “هل استشرتما طبيبًا؟” هذا إن لم يبدؤوا فورًا باقتراح أسماء أطباء مختصين في علاج العقم وسرد قصص النجاح لأشخاص يعرفونهم واجهوا مشاكل في الإنجاب في بداية زواجهم، والآن -ما شاء الله- أصبح لديهم دزينة أطفال. الأمر مزعج طبعًا، لكنّه ليس مشكلة كبيرة حين يكون تأجيل الإنجاب خيارًا شخصيًا لا اضطراريًا، إلّا أنّه قد يصبح جارحًا إذا كان موجهًا لامرأة أو رجل يواجهان مشاكل في الإنجاب فعلًا، خاصة إن كانا يتكتّمان عليها ويحاولان علاجها في صمت. العجيب في الأمر أنّ الشخص المتطفل لا يضع في حسابه أنّ هذين الزوجين الراغبين في الإنجاب منذ سنوات ولم يرزقهما الله بذرية بعد لم يكونا جالسين طوال هذا الوقت ينتظران اقتراحاته الفذّة، ولا بدّ أنهما لم يتركا بابًا لم يطرقاه في سبيل تلك الغاية، وإن كان اليأس بلغ بهما مبلغه فسيطلبان النصيحة ويسألانك عن اقتراحاتك وتجاربك، وعندها يمكنك أن تتألق كما شئت.
في حالتي، كانت بضع شهور من عدم حدوث الحمل كافية لتفتح أختي الكبيرة موضوع استشارة طبيب مختص، أو تنقل لي نصائح مشابهة من أقرباء آخرين. أخبرتها بأنني ذهبت إلى طبيبة فعلًا، لكنها طبيبة عامة وليست طبيبة نسائية، وأجرت لي فحوصًا عامة ورأت أنه لا يوجد ما يدعو إلى القلق، لذلك فلن توصي بأيّ تدخل طبي قبل مرور ستة أشهر (ستة أشهر لأنّ عمري كان فوق الخامسة والثلاثين، وإن كان عمرك أقل من خمسة وثلاثين تكون المدة عامًا، وإن كان أكثر من أربعين تكون شهرين فقط). لكن طبعًا هذا لم يكن مقنعًا، خصوصًا أنه صادر من طبيبة عامة لا طبيبة نسائية مختصة، لكن في البلد الذي أقيم فيه لا يمكنني استشارة طبيب مختص قبل المرور بطبيب عام وأخذ تحويل منه، ولن يكتب لي أي طبيب تحويلًا من دون سبب وجيه، ولو رأته العائلة كلّها سببًا مقنعًا وملحًّا.
لكن كوني أعيش في آخر المعمورة كما ذكرت، فلم أكن معرّضة لكمية هائلة من الإلحاح والتخويف بقصص من فاتهم قطار الإنجاب لتقاعسهم عن مراجعة الأطباء. ولا يسعني سوى التفكير في النساء اللاتي يعشنَ ذلك الهمّ بشكل يومي، ومنهنّ امرأة لا أعرفها ولا أعرف اسمها، قرأت قصتها في منشور على جروب “ممسترز” على الفيسبوك -وهي صفحة بدأت كتجمّع للأمهات ثمّ أصبحت صفحة استشارات وفضفضة للنساء من مختلف الأعمار والحالات الاجتماعية، أمهات وغير أمهات.
القصّة مفهومة جدًا، وربما مكررة أيضًا. فتاة تزوجت في الخامسة والثلاثين ولديها خوف شديد من فكرة مواجهة مشاكل في الحمل والإنجاب لأنها، حسب قولها، كبيرة في العمر، ممّا جعلها تبدأ بمراجعة الأطباء وأخذ العلاجات بعد شهرين من الزواج فقط. لا أريد أن أبدأ بتعداد النساء اللاتي أعرفهنّ شخصيًا وحملن بعد الخامسة والثلاثين، بل بعد الأربعين، مرة ومرتين وثلاثًا، وأنجبن أطفالًا أصحّاء، فهذا أمر أصبح شائعًا بحيث لا يحتاج إلى أمثلة. أريد فقط أن تتخيلوا معي كمية الضغط النفسي التي يتعرض لها زوجان بدآ رحلة العلاج والفحوصات والأدوية ومنشطات الحمل قبل مضيّ شهرين على زواجهما. وللأسف، كثير من الأطباء في بلادنا لديهم عشق لوصف الأدوية ومنشطات الحمل ومثبتاته، حتى من دون حاجة حقيقية. أذكر هنا قصة صديقة لي أكّد لها أكثر من طبيب في بداية زواجها إنها من المستحيل أن تحمل من دون علاج، فأخذت كيس الأدوية وعادت إلى البيت، لكنها قررت ألّا تبدأ بأخذ العلاج إلّا بعد شهر أو شهرين لأنها ليست مستعجلة على الإنجاب، وفي الشهر التالي كانت حاملًا. لا أقصد هنا التقليل من أهمية الطب والأطباء، ففي بعض الحالات يكون التدخل الطبي والعلاج بالأدوية ضروريًا وحاسمًا، كلّ ما أقوله هو أن تعطي جسدك فرصة ليختبر نفسه ويمتحن قدراته، وقد يثبت لك أنه لا داعي لكلّ هذا القلق والتوتر ولا لأي تدخل خارجي. أمّا إن اتضّح أنّه يحتاج إلى المساعدة، فيمكنك أن تحصلي عليها في الوقت الذي يناسبك، والذين تكونين مستعدة فيه نفسيًا وجسديًا.
لا أنكر أنني كدت أقع في ذلك الفخ، فرغم طمأنة الطبيبة وسلامة الفحوصات، بدأ القلق يتسلل إلى نفسي، وبدأت وزوجي التخطيط لاستشارة طبيب مختص. بعد ذلك بأيام أجريتُ فحص حمل منزلي، وحالما أتممتُ الفحص أدرت وجهي إلى الناحية الأخرى، محدّثة نفسي بأنني سأرى خطًا واحدًا كالعادة. لكن قبل أن أسهب في خطاب التحفيز والمواساة بيني وبين نفسي، استرقتُ نظرة إلى الفحص الموضوع على طرف المغسلة، لأرى الخطّين الأزرقين شخصيًا للمرة الأولى...



